هل نحتاج إلى هيئة لمكافحة النصب؟

لقد ضحك العالم علينا وهو يعرض صور المواطنين السعوديين أمام مكائن الخياطة القديمة، وهم يضعون جوالاتهم بجانب إبر هذه المكائن، يقيسون نبض الزئبق الأحمر (زعموا)، وكأنهم يطلبون من هذه المكائن الحديث .. ولقد استحيت من نفسي وأنا أنظر إلى تلك الصور!!!
"من جرف إلى دحديرة" .. يذكرني هذا المثل بحالنا مع حالات النصب والاحتيال المتزايدة في المجتمع، والتي كان آخرها وليس لها آخر، رسائل الاتصالات .. وقبلها مكائن الخياطة، وبطاقات سوا، والتمويل الوهمي الذي دخل فيه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي .. الخ.
ما الذي يجعل مثل هذه الحيل تنطلي علينا .. هل هي طيبتنا أم سذاجتنا أم حاجتنا أم الطمع الذي لاعلاج له .. أم "خصوصيتنا" كسعوديين نتلقف كل ما هو جديد وغريب، فلا نشاور ولا نحاور حتى العقل لنتأكد من مصداقية أو عقلانية بعض العروض التي تظهر كالسحر من حيث الجاذبية، في حين يتلف الطمع أبصار العقل فيتبع العوائد والملايين والأحلام بعيداً عن أرض الواقع.
يقال "العاقل خصيم نفسه" .. ولكن أثبتت الحوادث السابقة أن هناك الآلاف بل مئات الآلاف لا ينطبق عليهم صفة العقل، أو بالأحرى يغيبهم الطمع عن العقل والتفكر والتدبر، وإلا فما معنى أن يحصل المستثمر على عوائد استثمارية قدرها 30 في المائة شهرياً وأكرر "شهرياً" كما ذكر لي أحد النصابين الذين زاروني مرة لعرض جديدهم !!!
وللأسف إن كثيرا من هذه الحالات ليست حالات نصب واحتيال بحيث تنسج مؤامرة مفبركة لا يمكن كشفها .. بل إن كثيرا منها إنما هي حالات استغفال للطرف المقابل، واستغلال طيبته وحاجته وجهله وبشكل أخص طمعه في المكسب السريع والمضاعف بأسهل مجهود وبأقل عمل.
هل نفرض وصاية على الجماهير لكي لا يقعوا ضحية الغشاشين والنصابين .. وللأسف أن هؤلاء النصابين لا يتصيدون ضحاياهم .. بل إن الضحايا هم الذين يعرضون بل يتوسلون لبعض هؤلاء النصابين لأخذ أموالهم "وتشغيلها" عفواً بل تضييعها !!!
أجزم بأن اتجاه الناس لبعض الدجالين أو الاستثمارات الوهمية ما كان ليكون لو كانت هناك قنوات أخرى مقنعة بالكسب الحلال وقلة المخاطر وسرعة السيولة، وهذا مجال تقصير كبير تسأل عنه البنوك والشركات الاستثمارية، وقبل ذلك تسأل عنه هيئة سوق المال ومؤسسة النقد.
إن هذه الأحداث تحتم اتخاذ خطوات جادة لوقف حالات النصب والاحتيال، فيكفي الناس ضياع أموالهم في الاستثمارات الرسمية الواضحة سواء في أسواق الأسهم أو في المساهمات العقارية أو في صناديق البنوك، حتى يتبعها الضياع في قنوات استثمارية تعج بمن هب ودب، ولعلي أوجز المقترحات التي أوصي بها فيما يلي:
1) توجيه المؤسسات الاستثمارية بفتح قنوات استثمارية متنوعة يشارك فيها الراغبون، يسهل فيها المشاركة والتسييل وفيها وضوح في التعاملات، ومخاطرها محسوبة بدقة، وتعمل بإشراف المؤسسات الرسمية المرخص لها، والترويج لها بشكل علمي ومهني.
2) المزيد من التوعية عن طريق الإعلام المرئي والمسموع والمقروء.
3) التوعية في المدارس والجامعات للطلاب والطالبات بمبادئ الاستثمار الحقيقي والتفرقة بينه وبين حالات بيع الأوهام.
4) التعريف بحالات النصب والاحتيال، والتشهير بهم ومعاقبتهم العقاب الرادع.
5) تيسير سبل الاستفسار عن هذه الحالات والتعامل معها بشكل سريع وفعال.
6) متابعة أي ظواهر أو حالات أو طرق استثمارية جديدة في جميع مناطق المملكة، للتحقق من سلامتها والتزامها بالأنظمة والقوانين المتبعة.
7) التعامل بحزم وسرعة مع الحالات المكتشفة، بدلا من إحالتها إلى الإمارات واللجان ثم المحاكم قبل أن يتم إيقافها ووقف النزيف الذي تتسبب فيه.
وبدلاً من ضياع هذه المهام بين إمارات المناطق والوزارات المختصة وهيئة سوق المال فإني أقترح تأسيس هيئة لمكافحة النصب والاحتيال، تكون أبرز مهامها:
* التوعية العامة للمواطنين والمقيمين.
* متابعة حالات النصب في مهدها وإيقافها قبل أن تصيد فرائسها.
* إيجاد أرقام مجانية للإبلاغ عن حالات النصب أو الشكوك في الاحتيال للتقصي حولها، أو الاستفسار عنها.
* التقصي وملاحقة المحتالين والنصابين والتعاون مع الجهات الأمنية لإيقافهم.
وأخيراً .. فإني أناشد المسئولين وأشحذ هممهم بأن يعطى هذا الموضوع أولوية للحفاظ على ما تبقى من مدخرات المواطنين خاصة البسطاء منهم .. والذين يسعون إلى استعادة بعض خسائرهم التي تكبدوها من جراء انهيارات سوق الأسهم أو غيرها من المطبات الاستثمارية التي تقلبوا فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي