الصحة .. وزير جديد .. هل من جديد؟
هناك وزراء لا أملك إلا الدعاء لهم وللمسؤولين في وزاراتهم في كل وقت، ليس لأنهم الأفضل عطاء ولا الأكثر إخلاصاً، ولكن لأنهم الأكثر احتكاكا بالجمهور، وبالتالي فهم في فوهة المدفع، لا يراقب عملهم ديوان المراقبة العامة فقط .. ولكن كل مراجع يعتبر مراقبا لأدائهم، ومن هؤلاء وزير الصحة الذي لا يمكن أن تصدر صحيفة سعودية تخلو من خبر أو انتقاد لوزارته أو لأي من مرافقها أو لأي من منسوبيها.
هل استبدال الوزير في وزارة الصحة يمثل حدثاً يستحق أن نقف عنده؟ الإجابة هنا لن تكون مطلقة، فأهمية تغيير الوزير مرتبطة بأمور رئيسية أهمها مدى أهمية الصحة وأولويتها لدى المواطن، ولذلك فإن القطاع الأكبر من المواطنين يعولون كثيرا على تحسن الخدمات الصحية في عهد الوزير الجديد، سؤال آخر تستنبته إجابة السؤال السابق .. لماذا ليس كل المواطنين؟ والإجابة هنا واضحة والسبب بسيط .. وهو أن الكثير من المواطنين لا يستخدمون خدمات وزارة الصحة أصلا فالعسكريون (وهم كثير) لهم خدماتهم الصحية التي تخدمهم، وكبار موظفي الدولة لهم مستشفيات تخصصية تخدمهم، والقطاع الخاص مؤمن عليه صحياً في مستشفيات القطاع الخاص.
ما الذي يريده المواطن من وزير الصحة؟ سأحاول الإجابة عن هذا السؤال بكل حذر لأن صفحة الإجابة مليئة بالألغام لا أريد أن أكون ضحية لأحدها، ولكن لا أعتقد أنها تخرج عن النقاط التالية:
* توفير حق العلاج المجاني لكل مواطن ومقيم .
* أن تحترم إنسانية المراجع في المؤسسات الصحية عند تلقيه العلاج.
* أن تتوافر النظم الكفيلة بالرقابة على المؤسسات الصحية.
* تحديث الأجهزة والتجهيزات في مستشفيات وزارة الصحة.
* معقولية تكلفة الخدمات الصحية المقدمة في القطاع الصحي الخاص.
* التقليل من حالات الأخطاء الطبية، وضمان اكتشافها وردع مرتكبيها .
* الرقابة الفعالة على دخول الأدوية والمستحضرات الطبية للأسواق وبيعها.
* الرقابة على أسعار الأدوية في الصيدليات.
* إيقاف الممارسات غير المهنية في محال العطارة.
ويمكن القول باختصار إننا لا نتوقع أن يكون مستوى العلاج في مستشفيات وزارة الصحة منافساً لمستويات العلاج في الدول المتقدمة، ولكننا نأمل أن يكون كمرحلة أولى مماثلا لما هو مقدم في المستشفيات العسكرية والتخصصية في المملكة.
ومن أبرز التحديات التي سيواجهها جراح الأطفال في وزارته، قدرة الوزارة على تشغيل عشرات المستشفيات التي سيتم تسليمها للوزارة خلال هذا العام بما في ذلك استقطاب الكادر الطبي "المناسب"، وتجهيز المستشفيات بالأجهزة المناسبة، ومن ثم المعركة المتوقعة مع وزارة المالية للحصول على ما تحتاج إليه هذه المستشفيات للتشغيل.
كما لدى الوزير مهمة صعبة للحفاظ على الأطباء، كل الأطباء .. السعوديين وغيرهم، المتميزين وغيرهم أيضاً، والذين يتهافت عليهم القطاع الخاص في الداخل، والمشغلين في الخارج، وتقدم لهم أضعاف رواتبهم الحالية، وينطبق التحدي نفسه في المحافظة على الفنيين وجهاز التمريض، ولا يخفى على أحد أن أفضل مكان يمكن تدريب الكادر الطبي فيه على مستوى عال هو مستشفياتنا في السعودية لوجود التجهيزات العالية في ظل ضعف الرقابة، ويتعلم كثير من الأجانب الحلاقة .. عفواً .. التطبيب في رؤوس السعوديين.
من التحديات التي تواجه الوزير الجراح .. صعوبة المواءمة بين الخبرة السابقة للوزير في عمله السابق وبيئة الوزارة، وبين مستشفى واحد ووزارة تغطي منشآتها جميع أنحاء الوطن مترامي الأطراف، وقد يكون التحدي الأبرز في الوزارة مواجهة جبهة الصمود والتحدي والتي يبرز فيها وزارة المالية ووزارة الخدمة المدنية، والتي في نظري لديها السر في إنجاح أي مسؤول أو فشله.
أقترح أن يكون من أول قرارات وزير الصحة الجديد في وزارته هو أن يتم العلاج الجبري لجميع موظفي الوزارة في مستشفيات وزارة الصحة (فقط)، مرورا بمراكزها الصحية ثم الإحالة إلى المستشفيات العامة قبل العلاج في مدينة الملك فهد الطبية، بدءاً من أعلى سلطة في الوزارة إلى أصغر موظف مروراً بالنواب والوكلاء الكرام، ليقفوا بأنفسهم على مستوى الخدمات الصحية المقدمة للجمهور بلا مكياج خالية من الرتوش حيث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" .