الأمن الغذائي .. التخزين
من بين الترتيبات التي اعتمدها مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة يوم الإثنين 30/4/1429هـ لتوفير السلع والمواد التموينية وضبط أسعارها في السوق المحلية ، تكليف وزارة التجارة والصناعة التنسيق مع الجهات المعنية لبحث تخصيص أراض لإنشاء مستودعات عن طريق القطاع الخاص لخزن المواد الغذائية التموينية. ذلك المحور من خطة الأمن الغذائي ينبغي المبادرة في تفعيله دون تأخير لاسيما في ظل المؤشرات الاقتصادية الراهنة بتراجع معدلات التضخم وقلة الطلب على مواد البناء وغيرها التي ينبغي اغتنامها للحصول على تكلفة معقولة لتأسيس تلك المستودعات ومن ثم تحقيق عوائد مالية جيدة على المبالغ المستثمرة فيها. ولعل من حسن حظ الوزارة أيضاً أن تنظيم تلك المستودعات كمرفق عام باتت له مرجعية نظامية بعد أن صدر "نظام الإيداع في المخازن العامة" في عام 1427هـ الذي وضع ضوابط تنظم العمل في المخزن (المستودع) العام ، وتوضح طبيعة البضاعة التي يتم تخزينها وحفظها ، وتحدد حقوق والتزامات المخزن وأجرة التخزين.
غير أن تلك الخطوة ينبغي أن يسبقها وضع تصور شامل يحدد على مستوى المملكة المواقع الجغرافية التي ستبنى فيها تلك المستودعات ومساحات الأراضي التي على الحكومة تدبيرها. إذ إن هناك حزمة من المعايير والاعتبارات في اختيار تلك المواقع التي لابد من تحليلها وتقويمها بدقة وإن بدت لأول وهلة أنها بديهية. ذلك أن مشروع الخزن الاستراتيجي للمواد الغذائية التموينية لاتقتصر تكلفته على المنشآت فحسب ، بل هناك قيمة المواد التي ستخزن لمدد طويلة نسبياً وتكلفة نقلها من الموانئ إلى تلك المستودعات ثم إلى مراكز الاستهلاك في وقت لاحق حسب الطلب ، وربما إعادة تصديرها للأسواق المجاورة إن فاضت عن الحاجة قبل انتهاء صلاحياتها. بمعنى آخر لابد من الشروع من الآن في دراسة " تعظيم منافعOptimization Study " لتناول أكبر عدد من السيناريوهات المحتملة بالنسبة لمصادر الاستيراد ، تكاليف الشحن ، الكميات المطلوب تخزينها وفتراتها ، مراكز الاستهلاك ومعدلات نموها ، وسائل النقل الداخلي ، الأحوال المناخية ، وغيرها.
ثم هناك مسار آخر مواز لمسار تلك الدراسة يحسن طرقه في وقت مبكر ألا وهو تكليف الغرف التجارية الصناعية الرئيسة تكوين مجموعات من المستثمرين للنهوض بمشروعات مستودعات الأمن الغذائي على أن تطرح مستقبلا للاكتتاب بين الجمهور . إلا أنه ينبغي في اختيار تلك المجموعات مراعاة القيد الذي وضعه "نظام الإيداع في المخازن العامة" في مادته الرابعة والتي نصها " لايجوز للخازن فردا كان أو شركة أن يمارس بأي صفة كانت سواء لحسابه أو لحساب غيره نشاطا تجاريا ، أو يضارب على بضائع من نوع البضائع المرخص له بحفظها في مخزنه ، وإصدار مستندات تمثلها. ويسري هذا الحظر على الشريك الذي يملك نسبة 10% على الأقل من رأس مال الخازن إذا كان شركة. ويستثنى من هذا الحكم الخازن إذا كان شركة من الشركات المملوكة للدولة واقتضت المصلحة العامة ذلك".
لقد خاضت المملكة تجربة سابقة في مجال بناء وتشغيل مستودعات على نطاق كبير وإن كانت ظروف ودوافع تلك التجربة يومئذ تختلف عما نحن بصدده الآن . ففي الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي كانت المستودعات بمفهومها الحديث تكاد تكون محصورة فقط في الموانئ البحرية ، بينما اكتفى التجار ببعض "الأحواش" هنا وهناك لتخزين البضائع في العراء علاوة على أقبية المنازل وما شكله ذلك من مخاطر على أرواح الناس وسلامتهم. ثم جاءت الطفرة المالية الأولى وماصاحبها من تدفق غير مسبوق في البضائع المستوردة عجزت عن احتوائها تلك الأقبية والأحواش ما دعا أصحابها لتركها في الموانئ أياما وأسابيع مافاقم أزمة التكدس فيها. وقد تصدت الحكومة لتلك المشكلة بأكثر من آلية ، من بينها وضع غرامات على البضائع التي لاتغادر الميناء خلال المهلة المجانية وقدرها عشرة أيام ، وتأجير مساحات شاسعة من الأراضي للتجار بأسعار رمزية لبناء مستودعات عليها.
ذلك البرنامج الذي تبنته الدولة بتوفير أراض للتجار لبناء مستودعات في مواقع قريبة من الموانئ حقق منافع كثيرة للاقتصاد الوطني وأضاف إليه أصولا رأسمالية قيمة يمكن أن تشكل نواة للبرنامج الجديد الذي يهدف لتوفير السلع والمواد التموينية وضبط أسعارها في السوق المحلية.