ضبط الزحام .. في المسجد الحرام
إن تنظيم وبرمجة أعداد القادمين للمسجد الحرام ربما يشكل رؤية جديدة في آلية التعامل مع مشكلة الزحام في الحرم زاخرة بالتحديات والمصاعب، وهي رؤية إن ثبتت سلامتها بعد إخضاعها للدراسة والتمحيص، لن يستعصي تطبيقها على الإمكانات والخبرات المتراكمة لدى مؤسسات الدولة المعنية.
منذ الأزل جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ الكعبة المشرفة مثابة للناس وأمناً لتهوي إليها أفئدة من كل مكان ترجو مناجاة ربها في ساعة استجابة عسى أن يدخلها برحمته في عباده الصالحين. تلك المناجاة لابد لها من قلب خاشع في صلاة مطمئنة أو في طواف فيه هدوء وسكينة. إلا أن تلك الحال من الطمأنينة والروحانية أصبحت اليوم أمراً من المحال، ليس أثناء موسم الحج فحسب بل يمكن أن نعمم ذلك القول على معظم أيام العام. والسبب في ذلك مرده الزحام الشديد الذي يزداد في المسجد الحرام سنة بعد أخرى بأعداد غير مسبوقة سواء من داخل المملكة أو من القادمين إليها من الخارج لأداء مناسك العمرة، وذلك بالرغم من المساحات المضافة للمسجد في كل اتجاه تقريباً.ومن المرجح أن تتفاقم تلك المشكلة، مع الزيادة المطردة في عدد المسلمين ووفرة وسائل النقل والاتصالات، ما لم يوضع لها حل جذري مستدام، أي غير موسمي، مكمل لمشروعات التوسعة التي تمت وما هو مقبل منها.
لقد تشرفت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها بخدمة المسجد الحرام ومسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحجيج. ولا تزال تتقرب إلى الله تعالى بذلك العمل إذ تتواصل مشروعات التوسعة في الحرمين والمشاعر المقدسة على قدم وساق، وأحدثها ما تم إنجازه في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود كجسر الجمرات، المسعى، الساحات، طرق وأنفاق، وغيرها، عدا المرافق الأخرى المرتبطة بالحجيج . ومما يحمد للمملكة أن مشروعات الحرمين والمشاعر المقدسة عجلة لا تتوقف ولا قيد عليها من ظروف مالية أو خلافها إذ ينفرد الإنفاق عليها بمكان الصدارة في أولويات نفقات الخزينة العامة. أما في مجال الخدمات فحدث ولا حرج عن الجهود الجبارة التي تضطلع بها مؤسسات الدولة وفي مقدمتها وزارة الداخلية للسهر على راحة وسلامة ضيوف الرحمن وما يمليه ذلك الواجب من حشد لآلاف من الرجال والمعدات ضمن منظومة دقيقة في ظروف عمل صعبة للغاية. تلك الجهود تتحدث عن نفسها، وأقرب شاهد عليها النجاح الكبير الذي تحقق في موسم حج العام المنصرم (1429هـ) حيث أبدى رجال الأمن مهارات عالية في استخدام تقنيات متطورة لمراقبة وتسيير حركة الملايين من البشر وعشرات الآلاف من الحافلات والمركبات دون أي حوادث تذكر.
ذلك التنظيم لحركة الحجيج وتفويجهم على دفعات كان أمراً لا خيار فيه ولا بديل له للحفاظ على سلامتهم بالرغم من التوسع الكبير في جسر رمي الجمرات، إذ إن طاقة الجسر والمواقع الأخرى من مناسك الحج تظل في النهاية محدودة مقارنة بالأعداد القادمة لأداء ذلك الركن من الإسلام ما يحتم برمجة الوصول إليها بمعدل يراعي تلك الأعداد من جانب كما يراعي الطاقة أو سعة المكان المتاحة من جانب آخر، وفي كل الأحوال يؤخذ في الحسبان الوقت المتاح لتأدية ذلك النسك. بالطبع هناك تنظيمات وضوابط أخرى كثيرة تسبق ذلك العمل الميداني،كلها تصب في نفس الاتجاه وإن كانت تتعامل مع الموضوع من منبعه، كاشتراط الحصول على تصريح للحج وعدم السماح بالحج لمن لم يكمل خمس سنوات على آخر حجة له وغير ذلك من القواعد التي يخضع لها حجاج الداخل من مواطنين ومقيمين. أما أعداد الحجاج القادمين من الخارج فتحدد وفقا للنسبة التي سبق إقرارها في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في شهر شعبان من عام 1408هـ في عمان في المملكة الأردنية الهاشمية.
الشاهد هنا أن تنظيم حركة الحجيج بضبط أعدادهم وبرمجة وصولهم إلى مواقع المشاعر المقدسة حقق منافع كثيرة كان أبرزها سلامتهم وراحتهم والأهم من ذلك كله تمكينهم من أداء مناسكهم بيسر وسهولة. ذلك النجاح يدعونا للإشادة بمنهجية ذلك التنظيم، كما يدعونا للتفكير في ملاءمة وضع تنظيم مشابه له، وإن كان باستخدام آليات مختلفة إلى حد ما، لبرمجة الأعداد القادمة للمسجد الحرام للصلاة أو العمرة. فلقد بات ضبط الزحام في المسجد الحرام بالوسائل التقليدية أمراً مستعصياً، ولاسيما في المواسم، على الرغم من الجهود والإمكانات الكبيرة التي تبذلها الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي ورجال الأمن .إذ يبلغ الزحام في الكثير من الأحيان حداً لا يجد المصلون حيزاً للركوع والسجود ناهيك عن التدافع هنا وهناك. كما تسد الطرقات والمخارج بالآلاف من البشر ما يعيق التعامل مع أي ظرف طارئ لا سمح الله، وكذا الحال في الساحات الخارجية وإن كانت بدرجة أقل. أما المشقة التي يعانيها كبار السن والنساء في ذلك الزحام فليس من باب المبالغة إن وصفت بأنها مرهقة. ومن بين الوسائل القائمة حالياً لضبط الزحام في المسجد، إلى جانب رجال الأمن والمراقبين والمشرفين، ما أشارت إليه جريدة "عكاظ" في عددها الصادر بتاريخ 12/9/1426هـ بأنه تم تثبيت "لوحات إرشادية تضيء باللون الأخضر في حالة وجود إمكانية لدخول المصلين وتضيء باللون الأحمر في حالة اكتمال الطاقة الاستيعابية للمسجد الحرام".
لقد أصبحت المملكة العربية السعودية اليوم تتمتع بإمكانات تقنية عالية وخبرة متراكمة يمكن تسخيرها في تصميم وتنفيذ برامج على مستوى عال من الدقة لتنظيم وبرمجة أعداد الراغبين في الصلاة في المسجد الحرام أو أداء مناسك العمرة لشهور قادمة سواء كانوا من الداخل أو من الخارج في حدود الطاقة التصميمية للمسجد . هناك نماذج عدة لتلك البرامج إلا أنها في مجملها تعتمد على وسائل إلكترونية كشبكة الإنترنت للتخطيط المسبق لتلك الأعداد بعرض جميع الأيام التي بها سعة أمام الراغبين في القدوم إلى المسجد الحرام كي يختاروا يوماً واحداً لا غير في الشهر الواحد مثلاً كي تتاح الفرصة للآخرين، ومن ثم تسجيل أسمائهم وبياناتهم للحصول على شريحة ممغنطة تثبت التاريخ الذي اختير لإدخالها في البوابات الإلكترونية التي قد تقام في محيط المسجد الحرام ضمن التنظيم المقترح الجديد. تلك الشرائح أو القسائم ستكون متاحة للجمهور للحصول عليها في كل بقعة من الأرض تقريباً عبر شبكة الإنترنت، أو عبر مكاتب البريد ومراكز الشرطة، أو من الأجهزة التي يمكن توزيعها على فروع البنوك، شركات العمرة، الممثليات السعودية في الخارج وغيرها.
هناك مزايا كثيرة للتنظيم المقترح من بينها برمجة الاستعدادات اللازمة في المسجد الحرام بشكل دقيق يتناسب مع الأعداد التي تأكد قدومها مايحقق ترشيداً في استخدام الإمكانات المتاحة، كما يوفر آلية جيدة لمعرفة كل من بداخل المسجد في أي وقت كان فضلاً على أنه سيقلص من المظاهر والتصرفات التي هي ليست من العبادة كالنوم وغيره. لكن الأهم من كل ذلك أن التنظيم المقترح سيكفل للجميع فرصاً متساوية للحصول على مكان في المسجد للصلاة والطواف والسعي بهدوء وطمأنينة دون تدافع أو مشقة والغاية المرجوة لا ينبغي أن تخفى على أحد ألا وهي إعادة السكينة إلى العبادة في بيت الله، ولا أحسب أن هناك حاجة لسرد مقاصد أخرى إذ متى ما شاعت السكينة والطمأنينة في ذلك المكان الطاهر عمرت القلوب بخشية الله. إن تنظيم وبرمجة أعداد القادمين للمسجد الحرام ربما يشكل رؤية جديدة في آلية التعامل مع مشكلة الزحام في الحرم زاخرة بالتحديات والمصاعب في التصميم والتطبيق لطبيعة المكان الدينية والجغرافية، إلا أن ذلك المقترح، إن ثبتت سلامته بعد إخضاعه للدراسة والتمحيص، لن يستعصي على الإمكانات الفنية والخبرات المتراكمة لدى مؤسسات الدولة المعنية ولاسيما وزارة الداخلية والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.
كم هو جميل أن نعيد الطمأنينة والسكينة للعبادة في المسجد الحرام مهما زاد عدد المسلمين أو الأفئدة التي تهوي إلى البيت العتيق من كل مكان على مر الأزمان القادمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومتى ما تحقق ذلك الإنجاز بإذن الله سيضم بلا ريب إلى سجل الأعمال المجيدة الأخرى لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، أمد الله في عمره.