دول .. حجها على مقاسها!
من غير المنصف أن يمر حج هذا العام، من دون ذكر الإيجابيات الكبيرة التي كان عليها، ما أوجد مزيداً من الروحانية والسكينة على حجاج هذا العام. فالتنظيم كان في منتهى الدقة، فلا تزاحم في الجمرات، ولا تقاطع في عرفة؛ كذلك الطواف والسعي في الحرم كان على درجة كبيرة من الإتقان والسعة. فهذا ما لمسته كشاهد على الحدث، ممن مَنَّ الله عليهم بأداء الفريضة.
ولا تزال بلادنا تواصل خطاها لتجعل من الحج فريضة سهلة التنفيذ، ميسرة لجميع المسلمين، بفئاتهم العمرية كافة، للشيخ والطفل، للمرأة والرجل، لكن يا منة الله على خلقه، فلا يزال بعض المسلمين أقل وعياً، وأكثر تنفيراً وعصبية.. فبكل أسف، نتعامل مع بعض ضيوف الرحمن بكثير من الود، ونقوم بتنازلات لهم، وعلى الرغم من ذلك يقوم حجاج بعض الدول بما لا يتواءم وتحقيق هذا الركن بروحانية، وذلك من خلال جعلهم من هذه الفريضة منبراً سياسياً ومذهبياً، ونجدهم يصرون على هذه السياسة بشكل سنوي.
الحج على أراض سعودية وتحت إشراف وإدارة سعودية، ومن أراد الحج فعليه أن يلتزم بقوانين السعودية، وما أرادته هذه البلاد من يسر واحترام للمنسك، أما من أراد غير ذلك فليبق في بلاده غير مأسوف عليه، وإن كنت أتمنى أيضاً أن من يحاول العبث أثناء الحج عبر مظاهرات سياسية أو دعوات تفريقية؛ أن يُطبق عليه بعض العقوبات، بأن تقلل نسبة الحجاج لدولته في السنة التي تليها، أو غير ذلك من العقوبات الرادعة، وتكون تلك العقوبات بعد اتفاق الدول الإسلامية كافة، من خلال المؤتمر الإسلامي، ولا علينا إن تقافزت الاحتجاجات أو تعالت المطالبات، فما يعني بلادنا هو سلامة الحج والحجيج، أما العابثون فالأجدى معهم؛ أن يتم التعامل معهم من دون هوادة، ليعودوا إلى صوابهم ويجعلهم يفكرون مرات ومرات قبل أن يقدموا على ما يضر الحج والحجيج.
لغة التسامح المفرطة، باتت غير مقبولة لأن الأمر بات يخص حقا يملكه كل حاج قدم إلى الديار المقدسة، وما ذنب هؤلاء الحجاج ليلاقوا مثل أولئك العابثين المضرين، فالسعودية تقدم الخدمات جميعاً من دون ضريبة، بل وجعلت من الشأن الصحي أمراً ميسراً للحاج، كذلك من دون مقابل، حتى الدواء كذلك، فهل قرأ أولئك التاريخ جيداً ليعرفوا كيف كان الحج مكلفاً في العهود الماضية، كعهد الدولة العثمانية ومن قبلهم المماليك، حتى قيام الدولة السعودية، بل ماذا يريدون أكثر مما تقدمه السعودية الآن؟.. فلم تصل دولة خلال التاريخ الحديث، إلى درجة من إتقان التنظيم وتقديم الخدمات للحجاج، كما وصلت إليه السعودية.
الحج شعيرة روحانية تحتاج إلى السكينة واليسر، لتنفيذ مناسكها، وحين يكون هناك عابثون؛ فمن دون شك أن المتضررين هم الحجاج، ولا شك أن التسامح تجاه العبث سيزيد من مداه وأفقه، والوقوف أمامه بصرامة وقوة؛ سيقتلعه من جذوره، بل وسيمنح الحجيج الهدوء والسكينة لتنفيذ مناسكهم.. وعليه نتمنى أن تكون القوة والتشهير تجاه العابثين، حتى لو غضبت دولهم أحد العناوين الأبرز لخطة أي حج، وكفانا مجاملة وتنازلات تجاه من لا يستحقون.