الكل يحاول اللحاق بركب الـ «بيتكوين»

|
لماذا كل هذا التهافت على العملات الافتراضية وفي مقدمتها "البيتكوين"؟ هذا سؤال محير ولكنه مهم، وآن الأوان أن نقدم إجابات شافية عنه على صفحات جريدتنا الغراء، جريدة النخبة والاقتصاد والمال في الخليج والعالم العربي. ما سأقوله هنا لن يعدو رأيا شخصيا، بيد أنني سأستند في الإدلاء به إلى تجربة صحافية سابقة كنت فيها أنقل أخبار المال والعملات والسلع والمواد الأولية لوكالات عالمية. وسأدخل الموضوع دون مقدمات وأقول إننا أمام ظاهرة، رغم كونها "افتراضية"، أتوقع أن سيكون لها وقع كبير على المال والاقتصاد والتجارة والبيع والشراء وتأتي العملات والنقود في مقدمتها. لا يجوز إسناد ظهرنا إلى الحائط وعدم الاكتراث والاكتفاء بنشر بيانات أو حتى فتاوى للتحذير من عملة "البيتكوين" وأخواتها التي بدأت تتناسل تحت أي حجج أو أعذار. المسألة لم تعد تخص مجموعة من الناس غايتهم الإثراء السريع أو الدخول في الأسواق من أجل البلبلة. نحن صرنا وجها لوجه أمام ثورة خوارزمية "رقمية" جديدة ستكون لها تبعات وآثار قد تفوق ما أحدثته ثورة الإنترنت التي تقريبا لم تترك مضمارا من حياتنا إلا وخلخلته. و"البيتكوين" لن يكون إلا نتاجا صغيرا إن أخذناه ضمن السياق الكبير والأثر ربما غير المحدود الذي ستتركه التكنولوجيا الحديثة التي تحرك عجلة هذه العملة التي دوخت الدنيا. ورغم أن هذه العملة صارت لها مكانة وأخذ بعض مراكز المال والتجارة والصناعة والصيرفة يعترف بها، فإن الثورة الخوارزمية التي تديرها والمسماة "بلوكشين" Blockchain صارت محط أنظار أمهات شركات الإنترنت العملاقة. نعم هناك تحذيرات من اللجوء إلى العملة الافتراضية وقد قرأت كثيرا عن ذلك، إلا أنني لم ألحظ غير المديح والإشادة بتكنولوجيا "البلوكشين" Blockchain وهي تكنولوجيا قوية أقوى بكثير من التكنولوجيا الرقمية التي هي عماد الإنترنت حاليا. وكي أكون صريحا أقول إنني لاحظت أخيرا تغييرا كبيرا في نبرة المختصين من الصيرفيين وعلماء الاقتصاد صوب مكانة العملة الافتراضية، حيث إن بعضهم صار يرى فيها ندا قويا للعملة التقليدية. التحذير من كون "البيتكوين" مجرد فقاعة قد يكون في محله ولكن ألم يحذر كثير من الناس من فقاعة الإنترنت؟ ومن ثم ألم تمر الإنترنت بأكثر من فقاعة وخرجت منها بنجاح؟ حتى وإن اندثرت عملة "البيتكوين" لهول فقاعتها ـــ وهذا أمر لا أرجحه ـــ فإن التكنولوجيا الخوارزمية التي أخرجتها للوجود وتطبيقاتها صارت محط أنظار واهتمام كبريات الشركات في العالم وأقوى الحكومات فيه. هذه التكنولوجيا في حد ذاتها تدخلنا في ثورة خوارزمية جديدة ستهز كثيرا من الأركان التي نعتمد عليها في حياتنا، وعلى أساسها تدير كثير من المؤسسات الاقتصادية والمالية والعقارية والتجارية والإعلامية وغيرها ذاتها. أهم ما تقدمه هذه الثورة للشركات والأفراد هو اللامركزية، بمعنى الذي يتبنى هذا الاختراع الثوري ستكون له محفظة خوارزمية أمينة وحصينة وتقريبا غير قابلة للاختراق ـــ حتى الآن ـــ ولا يحتاج فيها إلى وسيط أو طرف ثالث. وبواسطة هذه التكنولوجيا صار بمستطاع الشركات الكبيرة سك عملة خاصة بها وهذا ما قامت به شركة أمازون العملاقة، حيث لها عملتها الافتراضية "البيتكوينية" الخاصة بها. وهذا أيضا ما قامت به شركة تيلجرام التي أطلقت عملتها الخاصة بها. وأخيرا لحقت بالركب شركة كوداك العملاقة التي قبل أيام سكت عملة مشفرة جديدة، وحالما طرق الخبر سمع الأسواق انهالت الطلبات على أسهمها وارتفع سعرها أكثر من 100 في المائة. وصاحب الفيسبوك، مارك زوكربيرج، أبدى إعجابه بهذه التقنية الخوارزمية الجديدة وبوده تطبيقها في موقعه وجعله أكثر لا مركزية لأن الإنترنت الحالية تحت رحمة شخص أو هيئة محددة، بينما ثورة الإنترنت الحديثة لا يمكن لأي شخص أو هيئة السيطرة عليها. هناك خشية بطبيعة الحال. لنتصور للحظة ماذا سيكون دور المصارف وبيوت الصيرفة لو صار لكل واحد منا محفظته الخوارزمية الخاصة به ومن خلالها يقوم بكل العمليات التي تقوم بها المصارف. وقس على ذلك كل ما يتعلق بعمليات البيع والشراء والتسجيل العقاري وحماية الملكية وغيرها من النشاطات الاقتصادية والتجارية والإدارية. بيد أن هناك درسا لن تنساه الشركات بصورة عامة والغربية منها على وجه الخصوص. عندما بزغ نجم الإنترنت حاول كثير من الشركات تجنب الثورة الرقمية الجديدة خشية كونها فقاعة عابرة. وسرعان ما رأت نفسها في آخر الركب، وعندما حاولت اللحاق كان القطار قد فاتها ومنيت بخسائر كبيرة ومنها من خرج من الأسواق. وكانت كوداك إحدى الشركات التي استهزأ أصحابها بالإنترنت ودفعوا ثمنا باهظا. وهكذا نرى أن كوداك اليوم في مقدمة الركب في قافلة "البيتكوين" وتكنولوجيتها القوية التي أخذت تكتسب الأهمية التي تضاهي أهمية الإنترنت عند ظهورها لأول مرة قبل نحو 30 عاما.
إنشرها