في أعقاب الحرب الإيرانية، من المتوقع أن يكون تأثير ارتفاع أسعار النفط على الصين أقل من الأعوام الماضية، وذلك لتكوينها مخزونات ضخمة من الخام وتنويعها لمصادر الطاقة.
مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ 4 أعوام، قال محللو بنك "OCBC" إن الصين قد تكون "أقل تأثرا بإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة مقارنة بعديد من نظيراتها الآسيوية".
وأضاف المحللون أن الصين راكمت أحد أكبر احتياطيات النفط الخام الإستراتيجية والتجارية في العالم، مشيرين إلى أن تحولها السريع نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة يقدّم تحوطا هيكليا إضافيا للاقتصاد.
مخزونات بنحو 1.2 مليار برميل
بلغت مخزونات الصين من النفط الخام ما يُقدر بنحو 1.2 مليار برميل حتى يناير.
يكفي هذا لمدة تراوح بين 3-4 أشهر، ما سيؤخر التأثير الاقتصادي، وفقا لما ذكره راش دوشي، مدير مبادرة إستراتيجية الصين في مجلس العلاقات الخارجية، في برنامج "Squawk Box Asia" على شبكة "سي إن بي سي".
دوشي أوضح أن الصين قضت الأعوام العشرين الماضية في تقليل اعتمادها على تدفقات النفط البحرية، مشيرا إلى أن خطوط أنابيب النفط البرية الجديدة والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة يجعل البلاد الآن تعتمد على مضيق هرمز في نحو 40-50% فقط من وارداتها النفطية المنقولة بحرا.
بحلول 2030، تهدف الصين إلى زيادة حصة الوقود غير التقليدي في إجمالي استهلاك الطاقة إلى 25%، ارتفاعا من 21.7% العام الماضي.
بحسب بيانات شركة "Kpler"، مر عبر مضيق هرمز العام الماضي نحو 31% من تدفقات النفط البحرية العالمية، أي ما يعادل نحو 13 مليون برميل من النفط الخام يوميا.
مع ذلك، لا تمثل شحنات النفط عبر المضيق سوى 6.6% من إجمالي استهلاك الصين للطاقة، في حين تمثل واردات الغاز الطبيعي عبر المضيق نحو 0.6%، وفقا لتينج لو، كبير الاقتصاديين الصينيين في شركة "Nomura".
منح هذا التحول الإستراتيجي الصين مكانة فريدة في أسواق الطاقة العالمية.
الصين أكبر مستورد للنفط الخام
تُعد الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط في العالم، تليها الصين والهند.
لكن الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام، إذ تشتري نحو ضعف ما تشتريه الولايات المتحدة، بينما تحتل الهند المرتبة الثالثة، بحسب بيانات "أوبك".
من بين الدول الثلاث، الهند هي الأكثر اعتمادا على واردات النفط، إذ تُشكل ربع استهلاكها الإجمالي، بحسب تحليل شبكة "سي إن بي سي" لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لعام 2023.
بلغت نسبة اعتماد الصين على واردات النفط 14%، بينما أنتجت الولايات المتحدة معظم احتياجاتها من النفط، وفقا لبيانات عام 2023.
إستراتيجيات طاقة متباينة
في حين زادت الولايات المتحدة إنتاجها المحلي من النفط على مدى العقد الماضي، نوّعت الصين مصادر طاقتها بسرعة.
شكّلت مصادر الطاقة المتجددة، باستثناء الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية، 1.2% من إجمالي استهلاك الصين من الطاقة في 2023، ارتفاعا من 0.2% قبل عقدين من الزمن، وفقا لحسابات "سي إن بي سي" المستندة إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية.
سجّل كل من الهند والولايات المتحدة حصة أقل بكثير من مصادر الطاقة المتجددة في 2023، بلغت 0.2% لكل منهما.
هذا رقم ضئيل في الوقت الراهن، لكن تزايد حصة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الصيني له آثار عالمية.
قالت شركة "Rhodium" في 2025 إن توجّه الصين نحو السيارات الكهربائية، وخاصة الشاحنات، قد خفض بالفعل الطلب المحتمل على النفط بأكثر من مليون برميل يوميا.
توقعت شركة الأبحاث أن يرتفع هذا الرقم نحو 600 ألف برميل يوميا خلال الأشهر الـ 12 التالية.
تعمل أكثر من نصف سيارات الركاب الجديدة المبيعة في الصين الآن بالطاقة الجديدة، ما يعني اعتمادها على البطاريات أكثر من اعتمادها على البنزين.
قال محللو بنك "OCBC"، إنه مع تراجع الطلب على وقود الطرق والتوسع السريع في قدرة الطاقة المتجددة، تتضاءل حساسية الصين لتقلبات أسعار النفط سنويا.
وأضافوا: "بمرور الوقت، سيسهم التحول إلى الطاقة الكهربائية في قطاع النقل وتوسع نطاق توليد الطاقة المتجددة في حماية الاقتصاد بشكل أكبر من الصدمات المرتبطة بالنفط".
لا يُمثل النفط والغاز الطبيعي سوى 4% من مزيج الطاقة في الصين، وهي نسبة أقل بكثير من النسبة التي تراوح بين 40% و50% في عديد من الاقتصادات الآسيوية، بحسب ما قال المحللون.
ووفقا لمركز أبحاث الطاقة "Ember"، تشكل الكهرباء، التي تُولد في معظمها من الفحم ونسبة متزايدة من مصادر الطاقة المتجددة، حصة متزايدة من إجمالي استهلاك الطاقة في الصين.
الوقود التقليدي يهمين على المشهد
أشار مركز "Ember" إلى أن مصادر الطاقة المتجددة وفّرت نحو 80% من الطلب الجديد على الطاقة الكهربائية في الصين في 2024.
لكن الفحم لا يزال مصدرا مهما للطاقة في البلاد، وإن كان يشهد ركودا.
كانت الصين أكبر منتج ومستهلك للفحم في العالم في 2023، رغم الجهود المبذولة لخفض انبعاثات الكربون.
كما أن العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران جعلت الصين من بين المشترين القلائل للنفط الإيراني.
قال أنو كوهاناثان، رئيس قسم أبحاث الشركات في شركة "Allianz Trade"، إن إيران شكلت نحو 20% من واردات الصين من النفط، مع إمكانية تعويض جزء كبير من هذه الكمية بزيادة واردات النفط من روسيا.
وأضاف كوهاناثان أن الخطر الأكبر يكمن في نحو 5 ملايين برميل يوميا من النفط التي تستوردها الصين من دول أخرى في الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز.
ومع دخول الحرب الإيرانية أسبوعها الثاني، لا يزال وقت انتهاء الصراع غير واضح.
كبير محللي الطاقة في آسيا لدى "Ember"، مويي يانج قال: "من المرجح أن تعزز صدمة كهذه المسار الذي تسلكه الصين حاليا بدلا من تغييره".
وأضاف: "إنها تُبرز مخاطر الاعتماد الكبير على النفط والغاز المستوردين. ولهذا السبب، لا يقتصر التحول على بناء مزيد من طاقة الرياح والطاقة الشمسية فحسب، بل أيضا خفض انبعاثات الكربون في الاقتصاد كله".
لكن التغيير لا يحدث بسهولة، فصناعة الوقود التقليدي في البلاد تهيمن عليها الشركات المملوكة للدولة، والتي تميل إلى أن تكون أقل ديناميكية من نظيراتها في القطاع الخاص.
الصين تواصل بناء احتياطياتها من الخام
ذكرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في فبراير أنها تتوقع أن تزيد الصين مخزوناتها الإستراتيجية بنحو مليون برميل يوميا في 2026.
وبحسب شركة "Wind Information"، انخفضت واردات الصين من النفط الخام نحو 2% في 2024.
لكن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط العام الماضي، ارتفعت إلى 4.6% لتصل إلى مستوى قياسي بلغ نحو 580 مليون طن متري.
قال جو كاتاياما، كبير محللي الرؤى في "Kpler": "الصين معرضة للخطر بشكل كبير، لكنها أكثر مرونة".




