شهدت أسواق الطاقة خلال الأسبوع الماضي واحدة من أعنف الصدمات منذ سنوات، بعدما أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران في الطرف الآخر إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية. هذا الاضطراب اللوجستي الحاد إلى جانب إعلان القوة القاهرة لدى بعض منتجي الطاقة دفع الأسعار إلى ارتفاعات كبيرة، لتنعكس على صناعة البتروكيماويات في العالم. الاضطرابات دفعت شركات الشحن والتأمين إلى الانسحاب من المنطقة، مع إلغاء تغطية مخاطر الحرب وارتفاع أقساط التأمين إلى مستويات قياسية، لتبرز أهميتها في الإمدادات.
قفزات حادة بأسعار النفط
ارتفع خام عمان بنحو 42% خلال الأسبوع، وخام غرب تكساس الوسيط 36%، بينما ارتفع خام برنت بنحو 28%، في ظل حالة من الذعر في الأسواق وسباق عالمي للبحث عن بدائل للإمدادات. تحركات سعرية لم تعتد عليها السوق منذ سنوات.
الصدمة لم تكن ناجمة عن نقص فعلي في القدرة الإنتاجية بقدر ما كانت نتيجة شلل في سلاسل النقل والتصدير. فمع اندلاع الحرب في 28 فبراير، تراجعت حركة السفن عبر مضيق هرمز بشكل حاد حتى تكاد أن تتوقف، إذ انخفضت حركة الناقلات بنحو 94% مقارنة بالمستويات الطبيعية، ما أدى إلى تخفيض الكويت والعراق لإنتاجهما، فمع تعطل التصدير تمتلئ المخزونات ما يدفع بالمنتجين لتغير سياستهم الإنتاجية لتنحصر على الطلب المحلي.
قوة قاهرة تعطل بعض الإمدادات
في الكويت، أعلنت شركة البترول الوطنية خفض إنتاج النفط وتشغيل المصافي بعد توقف الصادرات فعليًا، وأصدرت إشعار القوة القاهرة على شحنات النفط والمنتجات المكررة. وكانت الكويت قد صدرت في 2025 نحو 1.9 مليون برميل يوميًا من الخام و860 ألف برميل يوميًا من المنتجات النفطية عبر المضيق، ما يجعل استمرار تعطّل الممر البحري تهديدًا مباشرًا لمعظم إنتاجها بسبب محدودية قدرات التخزين.
العراق بدوره بدأ خفض الإنتاج أيضًا مع توقف تدفقات النفط عبر المضيق، بينما جرى تعليق الإنتاج في بعض الحقول شمال البلاد كإجراء احترازي بعد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة. ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه العراق على المضيق لتصدير معظم إنتاجه من الجنوب الذي يبلغ نحو 3.3 مليون برميل يوميًا.
طرق بديلة لتجاوز مضيق "هرمز"
في المقابل، السعودية والإمارات تمتلك حلولا لمواجهة تعطل "هرمز"، فقد عرضت شركة أرامكو على العملاء تحميل النفط من ميناء ينبع على البحر الأحمر باستخدام خط الأنابيب شرق–غرب، الذي تصل طاقته إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، بينما تعتمد الإمارات على خط أنابيب أبوظبي إلى الفجيرة بطاقة 1.5 مليون برميل يوميًا. إلا أن هذه المسارات البديلة لا تستطيع تعويض كامل الكميات التي كانت تمر عادة من قبل كافة المنتجين عبر هرمز.
الأسواق العالمية تبحث عن البدائل
ومع اضطراب الإمدادات من الخليج العربي، بدأت الأسواق العالمية تبحث عن بدائل سريعة. فقد اتجهت مصافي آسيا والمحيط الهادئ إلى شراء شحنات من الولايات المتحدة وألاسكا وإفريقيا والبرازيل لتعويض النقص، ما دفع أسعار بعض الخامات الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. كما ارتفعت تكاليف الشحن إلى مستويات قياسية، إذ قفزت أجور نقل النفط من خليج المكسيك إلى الصين إلى نحو 14 دولارا للبرميل أي ضعف مستوياتها تقريبًا خلال أسبوع واحد.
في الوقت نفسه، اتجهت الدول المستهلكة بالنظر إلى مخزوناتها الإستراتيجية، فكوريا الجنوبية تدرس السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية للنفط التي تبلغ طاقتها نحو 146 مليون برميل لضمان الإمدادات المحلية، بينما في اليابان قال نائب في البرلمان الياباني اليوم الأحد إن الحكومة أصدرت تعليمات لموقع لتخزين الاحتياطي النفطي بالاستعداد لاحتمال صرف شحنات من الخام، وفقا لرويترز.
وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط في الحصول على نحو 95% من إمداداتها من النفط الخام، مع عبور نحو 70 بالمئة من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وكالة الطاقة الدولية تحذر من عجز
ورغم هذه الاضطرابات، تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن السوق لا تعاني نقصًا فعليًا في الإمدادات حتى الآن، مشيرة إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في الاختناقات اللوجستية وتعطل النقل البحري وليس في نقص الإنتاج العالمي. ومع ذلك، حذرت الوكالة من أن استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة قد يقلب السوق من فائض إلى عجز.
الغاز المسال تجمد تصديره
تداعيات الحرب طالت الغاز المسال، وطال الإنتاج في قطر مع توقف الإنتاج في مجمع رأس لفان القطري، أحد أكبر مرافق التصدير في العالم بطاقة تبلغ 77 مليون طن سنويا، في وقت يمر عبر المضيق نحو 20% من تجارة الغاز المسال عالميًا، ما أدى إلى نقص فوري في الشحنات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية.
انعكس ذلك سريعًا على الأسعار، إذ ارتفع سعر الغاز المسال في أوروبا 67%، بينما في آسيا قفز 46%، أما في أمريكا صعد 11% خلال أسبوع.
الأسواق الآسيوية كانت الأكثر تأثرًا
بدأت الهند إجراءات طارئة لضمان إمدادات غاز الطهي مع تراجع المخزونات إلى ما يكفي نحو 10 أيام فقط، في ظل اعتمادها على الشرق الأوسط لتوفير نحو 90% من واردات الغاز المسال وغاز البترول المسال. كما اضطرت بنجلادش إلى شراء شحنات فورية من الغاز بأسعار تجاوزت 28 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية، بينما بدأت دول آسيوية أخرى دراسة زيادة الاعتماد على الفحم لتوليد الكهرباء إذا استمر نقص الغاز.
تعطل قد يهدد دِفْء أوروبا في الشتاء
يأتي الاضطراب في إمدادات الغاز وارتفاع أسعاره، في وقت لا تتجاوز فيه مستويات التخزين الأوروبية نحو 30% من السعة، ما يهدد موسم إعادة ملء المخزونات الصيفية ويعيد إلى الأذهان أزمة الطاقة التي شهدتها القارة في 2022. وبموجب لائحة تخزين الغاز الأوروبية يتعين على الدول الأعضاء رفع المخزونات إلى نحو 90% قبل الشتاء عبر دورة موسمية تبدأ فيها عمليات التعبئة عادة من الربيع وحتى أكتوبر لضمان توفر الإمدادات خلال موسم الشتاء.
إمدادات الغاز تطال صناعة البتروكيماويات
لم تتأخر التداعيات في الوصول إلى أسواق البتروكيماويات، إذ تعطلت سلاسل الإمداد من صادرات اللقيم من الخليج إلى آسيا وأوروبا. هذا الاضطراب دفع شركات صناعية إلى اتخاذ إجراءات طارئة، كان أبرزها إعلان شركة Chandra Asri الإندونيسية حالة القوة القاهرة بعد تعطل وصول شحنات اللقيم من الشرق الأوسط، ما أجبرها على خفض معدلات تشغيل مصانعها وسط حالة من عدم اليقين بشأن مدة الاضطراب. استمرار شركات البتروكيماويات تقليص الإنتاج أو مراجعة خطط الشراء بسبب اضطراب إمدادات النافثا والمواد الأولية، يهدد بتشديد المعروض ورفع الأسعار في عدد من المشتقات البلاستيكية.
في المقابل، انعكست هذه التطورات على السوق الأوروبية أيضًا. فارتفاع أسعار النفط والنافثا، بالتزامن مع اضطراب تدفقات اللقيم من الشرق الأوسط، عقّد مفاوضات عقود الإيثيلين لشهر مارس، مع تزايد قناعة السوق بأن التسويات السابقة لم تُسعّر بالكامل مخاطر المنطقة. وتشير تقديرات BloombergNEF إلى أن تعطل الشحن عبر هرمز قد يهدد ما يصل إلى 30% من الإمدادات العالمية من الإيثيلين ومشتقاته إذا استمرت اختناقات التصدير، وهو ما قد يغير موازين المنافسة في السوق العالمية مؤقتًا.
بذلك تحولت الأزمة من مجرد صدمة طاقة إلى اضطراب واسع في تجارة البتروكيماويات، حيث تواجه الأسواق العالمية مزيجًا من ارتفاع تكاليف اللقيم، وتعطل الشحن، في وقت يعتمد فيه جزء كبير من تجارة البتروكيماويات على الإمدادات القادمة من الخليج.
الشحن والتأمين يزيدان اختناق المضيق
قفزت تكاليف ناقلات النفط العملاقة (VLCC) في الشرق الأوسط إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً مع توقف الملاحة فعلياً عبر مضيق هرمز، حيث سجل معدل الشحن لرحلة "الشرق الأوسط–الصين" ذروة قياسية بلغت 423 ألف دولار يومياً، بزيادة تجاوزت 94% خلال أيام وجيزة وفقاً لبيانات LSEG.
هذا الارتفاع في التكاليف جاء مدفوعاً بقرار من كبرى أندية التأمين، حيث أعلنت أندية Gard، Skuld، NorthStandard، London P&I، وAmerican Club إلغاء غطاء مخاطر الحرب رسمياً للسفن العاملة في الخليج وخليج عُمان. هذا الانسحاب الجماعي جرّد السفن من الحماية، ما جعل العبور مغامرة لملاك السفن، وأدى إلى تجميد الحركة رغم بقاء المضيق والموانئ مفتوحتين لكن دون قدرة على استقبال الرحلات الدولية.
بينما أعلنت عملاقة الشحن Maersk تعليقاً كاملاً لقبول الحمولات في المنطقة، وحذت MSC وHapag-Lloyd وCMA CGM حذوها بإصدار أوامر لتغيير المسارات. النتيجة الراهنة هي توقف التدفقات التجارية بسبب "فقدان القابلية للتأمين" قبل حتى حدوث نقص مادي في المعروض، مع تراكم مئات السفن العالقة خارج المضيق.
تعد تأمينات مخاطر الحرب جزءًا أساسيًا من تأمين السفن، إذ تغطي الأضرار التي قد تلحق بالسفينة نتيجة أعمال عسكرية مثل الهجمات الصاروخية أو الطائرات المسيّرة أو الألغام أو أعمال القرصنة.
وفي المناطق عالية الخطورة، يُطلب من مالكي السفن دفع رسوم إضافية تعرف بـ"علاوة مخاطر الحرب الإضافية (AWRP)" للحفاظ على التغطية التأمينية عند الإبحار في ممرات مصنفة خطرة مثل مضيق هرمز أو باب المندب. وتُحسب هذه العلاوة عادة كنسبة من قيمة السفينة المؤمن عليها، وقد قفزت في الخليج خلال أيام من نحو 0.15–0.2% إلى قرابة 1% من قيمة السفينة مع تصاعد المخاطر.
وبسبب ارتفاع المخاطر، أوقفت بعض شركات التأمين التغطية بالكامل، بينما رفعت شركات أخرى الأسعار بشكل كبير، ما جعل الإبحار في مياه الخليج والبحر الأحمر أكثر تكلفة وخطورة، ودفع بعض ملاك السفن إلى محاولة التفاوض لإعادة تفعيل التغطية أو تجنب المرور عبر المنطقة.

