المدير التجاري لإدارة الحلول التمويلية في "صكوك المالية" سارة العمري قالت "إطلاق نظام الرقابة على المال العام ولائحته التنفيذية يمثل تحولا إستراتيجيا عميقا في بنية حوكمة المال العام، حيث لا يقتصر على تحديث أدوات الرقابة، إنما يعيد تعريف دورها من وظيفة امتثال تقليدية إلى أداة فاعلة لتعظيم الكفاءة المالية وإدارة المخاطر على مستوى الدولة، عبر إعادة هندسة العمليات الرقابية بما يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية".
انتقال من رقابة مركزية إلى نموذج قائم على المخاطر
العمري أكدت أنه من منظور مالي واستثماري، فالنظام يعكس انتقالا نوعيا من الرقابة المركزية المسبقة إلى نموذج رقابي قائم على المخاطر (Risk-Based Oversight)، يمنح الجهات الحكومية مرونة تشغيلية أعلى مقابل تحميلها مسؤولية أكبر في الامتثال والمساءلة، مضيفة "أن هذا التحول يعزز كفاءة اتخاذ القرار، ويقلل من التعقيد البيروقراطي، ويسرع دورة تنفيذ المشاريع، ما ينعكس مباشرة على تحسين إنتاجية الإنفاق الحكومي".
بينت أن اعتماد مزيج متكامل من الأساليب الرقابية، تشمل الرقابة المباشرة، والذاتية، والرقمية، ورقابة التقارير، يؤسس لمنظومة رقابية (ذكية) وقابلة للتكيف، حيث يتم مواءمة مستوى الرقابة مع حجم وتعقيد المخاطر لكل جهة"، مشيرة إلى أن الرقابة الرقمية تبرز كأحد أهم مرتكزات هذا التحول، لما تتيحه من مراقبة شبه لحظية قائمة على تحليل البيانات، بما ينقل الرقابة من دورها التقليدي القائم على الاكتشاف اللاحق إلى نموذج تنبؤي استباقي قادر على رصد الانحرافات قبل تفاقمها.
إغلاق فجوات والحد من تسرب الموارد
العمري أضافت أن "توسيع نطاق تطبيق النظام ليشمل الجهات الممولة من الميزانية العامة أو المستفيدة من الدعم الحكومي، إضافة إلى الجهات المنفذة نيابة عن الحكومة، يسهم في إغلاق فجوات رقابية تاريخية، ويحد من تسرب الموارد، ما يدعم بشكل مباشر رفع كفاءة الإنفاق وتقليل الهدر المالي، وهو ما يمثل ركيزة أساسية لتحقيق الاستدامة المالية".
على مستوى الأسواق، توقعت العمري أن يعزز هذا التحول من مصداقية المالية العامة، ويدعم تقييم الجدارة الائتمانية السيادية، الأمر الذي سينعكس إيجابا على تكلفة التمويل وجاذبية أدوات الدين، خصوصا الصكوك، لدى المستثمرين المحليين والدوليين، في إطار مستهدفات رؤية 2030، مؤكدة أن النظام لا يطور الرقابة المالية فحسب، إنما يعيد تموضعها كرافعة استراتيجية لضبط الكفاءة، وتعزيز الشفافية، وترسيخ الاستدامة، مشددة على أن نجاحه سيقاس بمدى قدرة الجهات على تبني عقلية "الإدارة بالنتائج" بدلا من الاكتفاء بالامتثال الإجرائي.
رفع كفاءة الإنفاق وتحسين الحوكمة
من جانبه قال المحلل المالي حمد العنزي "النظام الذي أطلقته وزارة المالية يعزز الحوكمة والشفافية في إدارة المال العام"، مبينا أن النظام يمثل خطوة متقدمة نحو رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وتحسين مستوى الحوكمة، من خلال تبني أدوات رقابية حديثة، لذا فعلي الجهات الرسمية التي تتلقى الدعم من الحكومة أن تكون أنظمتها وإجراءاتها متوافقة من النظام الجديد ولائحته التنفيذية.
بدوره ذكر الرئيس التنفيذي لمركز التنمية والتطوير الاقتصادية والإدارية الدكتور علي بوخمسين "أن النظام الجديد يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة رقابية حديثة وذكية، قادرة على حماية المال العام بكفاءة أعلى، وتحقيق التوازن بين الرقابة الفاعلة وتسهيل الإجراءات، بما يدعم البيئة الاقتصادية ويعزز ثقة المستثمرين، مبينا أن القرار يعد نقلة نوعية وتحول مفصلي في مسار الرقابة المالية في السعودية، يعكس تطورا مؤسسيا متقدما يواكب مستهدفات رؤية 2030".
تطبيق النظام الذي يشمل الجهات الممولة من الميزانية العامة والجهات التي تتلقى دعما حكوميا أو تنفذ أعمالا نيابة عن جهات حكومية، يمثل توسعا مهما في نطاق الرقابة، ويعزز من تكامل الأدوار بين الجهات المختلفة، بما يرسخ كفاءة الإشراف المالي ويحد من الثغرات التنظيمية، بحسب بوخمسين.
أوضح أن جوهر التحول يتمثل في الانتقال من الرقابة التقليدية اللاحقة إلى رقابة رقمية استباقية قائمة على إدارة المخاطر، مبينا أن الأنظمة السابقة، مثل نظام الممثلين الماليين، كانت تركز على اكتشاف الأخطاء بعد وقوعها، في حين إن النظام الجديد يستهدف منع التجاوزات قبل حدوثها عبر أدوات تحليل البيانات والأنظمة الرقمية.
أشار إلى أن من أبرز مكاسب النظام الجديد، تعزيز النزاهة والحوكمة في إدارة المال العام، رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وتقليل الهدر المالي، دعم الشفافية والمساءلة بشكل أعمق وأكثر فاعلية، والاعتماد على الرقابة الرقمية عبر منصات حكومية لرصد الانحرافات بشكل آلي.
التحول من الرقابة الشاملة إلى المرنة
أوضح بوخمسين أن الفارق بين النظامين لا يقتصر على الأدوات، إنما يمتد إلى المنهجية بالكامل؛ حيث يتم التحول من رقابة شاملة لكل معاملة إلى رقابة مرنة مبنية على مستوى المخاطر، ومن إجراءات جامدة إلى نماذج رقابية تتكيف مع طبيعة وحجم أعمال الجهات.
لفت إلى أنه يتعين على الجهات المشمولة تطوير أنظمتها الداخلية ورفع جاهزيتها الرقمية، بجانب تعاظم مسؤوليات المراقبين الماليين في مجالات الإفصاح والعناية المهنية، بما يعزز من مستوى الانضباط ويحد من أي ممارسات قد تعرضهم للمساءلة، مؤكدا أن النظام يمثل خطوة استراتيجية لبناء منظومة رقابية حديثة وذكية، قادرة على حماية المال العام بكفاءة أعلى، وتحقيق التوازن بين الرقابة الفاعلة وتسهيل الإجراءات، بما يدعم البيئة الاقتصادية ويعزز ثقة المستثمرين.





