في وقت تشهد فيه الأسواق السعودية طلبا موسميا متصاعدا على مختلف أصناف التمور، خاصة خلال شهر رمضان، تتحول عمليات التعبئة والتغليف من مجرد خطوة تشغيلية إلى عنصر تنافسي يعيد تشكيل سوق التمور في محليا.
تعتمد غالبية مصانع التمور في السعودية على تقنية التغليف بالتفريغ الهوائي بواسطة ماكينة "فاكيوم" التي تعمل على سحب الهواء من العبوة وإغلاقها بإحكام بهدف إطالة العمر التخزيني وتسهيل عمليات النقل والتصدير، غير أن هذه التقنية التي لعبت دورا تاريخيا في نقل التمور من منتج محلي تقليدي إلى سلعة قابلة للتصدير، تواجه اليوم اختبارا جديدا يتعلق بسهولة الاستخدام وتجربة المستهلك النهائي الذي يواجه صعوبة في فتح العبوات ويضطر أحيانا إلى استخدام أدوات حادة.
هنا يقول المستثمر في قطاع الزراعي المهندس سلطان الثنيان، إن التغليف بطريقة الكبس عبر شفط الهواء يعد الأسهل والأسرع والأفضل لحفظ التمور ونقلها وتخزينها، خاصة عند تصديرها لمسافات بعيدة، لكنه يرى أن هذه الطريقة ليست الجاذبة تسويقيا، خصوصا في الأسواق الخارجية التي تشهد تطورا كبيرا في تصميم العبوات وسهولة التعامل معها.
فوارق تكلفة التغليف تصل إلى 10 أضعاف
أشار الثنيان إلى أن تكلفة تغليف الكيلو الواحد من التمور باستخدام ماكينة الفاكيوم تقارب ريالا واحدا فقط، بينما تراوح تكلفة التغليف الفردي بتصاميم تسويقية جاذبة بين 10 و 15 ريالا للكيلو، أي بفارق يصل إلى 10 أضعاف، إضافة إلى تكاليف التخزين والنقل المتقدمة المطلوبة لهذا النوع من المنتجات.
لفت إلى أن مكينة "فاكيوم" الألمانية والتركية والإسبانية التي تهيمن على السوق تمتاز بقدرتها الإنتاجية حيث يمكنها تغليف ما بين 50 و 60 طنا من التمور يوميا، فيما دخلت المكائن الصينية السوق أخيرا لكنها لا تزال أقل جودة وإنتاجية مقارنة بالمكائن الأوروبية والتركية.

أشار إلى أن تقنية "فاكيوم" دخلت السوق المحلية مطلع التسعينيات، لكنها لم تتحول إلى نشاط تجاري واسع إلا بعد 2010، مع توسع الشركات العالمية المصنعة وافتتاح فروع مباشرة في السعودية، ما عزز انتشارها ورفع كفاءة عمليات التعبئة والتغليف لمنتجات التمور.
أضاف الثنيان أن تغليف الفاكيوم يعد الأنسب للأعمال الخيرية والإغاثية بسبب انخفاض تكلفته وسهولة التخزين ومنع التلف، بينما يحتاج التمر المقدم بشكل مفرد إلى غرف تبريد ووسائل ترحيل متطورة، ما يرفع التكلفة ويحد من استخدامه في برامج الدعم.
المستهلك يرغب بالجودة وسهولة الاستخدام
بحسب الثنيان فإنه في ظل المنافسة المتزايدة، لم تعد تقنية الفاكيوم كافية وحدها لضمان حصة سوقية مستدامة، إذ يتجه المستهلك نحو منتجات تجمع بين الجودة وسهولة الاستخدام والتصميم الجذاب، ما يضع " فاكيوم " أمام معركة حقيقية مع أساليب التغليف المتطور، خاصة أن عملية الكبس تؤدي إلى التصاق التمور ببعضها نتيجة اللزوجة، ما يجعل الاستخدام اليومي مزعجا للمستهلك، مبينا أن المصانع تلجأ إلى الفاكيوم باعتباره الأقل تكلفة والأسرع تشغيلا في مراحل التعبئة والتخزين والترحيل.
أشار إلى أن صنف السكري يتمتع بميزة استهلاكية عبر مراحل متعددة تشمل الرطب والمناصيف والمفتل والناشف، فيما يُعد الخلاص الصنف الرئيس في عمليات الكبس والتغليف بالفاكيوم بسبب ملاءمته التخزينية، متوقعا أن تشهد تقنيات تغليف التمور تطورا كبيرا بدعم الابتكار الشبابي والثورات التقنية في عالم التغليف الذكي.
دخول نماذج أكثر تطورا وجاذبية في مجال تغليف التمور
من جانبه أوضح رئيس اللجنة الزراعية بغرفة الأحساء صادق الرمضان، أن التغليف بتقنية التفريغ الهوائي يعد الأكثر استخداما في صناعة وتعبئة التمور، مرجعا ذلك إلى كلفته الاقتصادية المناسبة لمصانع التمور في ظل الإنتاج المرتفع الذي يتجاوز نحو 1.6 مليون طن سنويا، وهي كميات ضخمة تتطلب حلول تعبئة منخفضة التكلفة وقابلة للتوسع الصناعي.
أشار إلى أن السوق شهدت خلال السنوات الأخيرة دخول نماذج أكثر تطورا وجاذبية في مجال تغليف التمور، خصوصا للمنتجات ذات القيمة المضافة التي تحتوي على مكسرات أو سمسم أو شوكولاته، وهي فئات لا تعتمد عادة على التفريغ الهوائي، موضحًا أن تقنية الفاكيوم تتركز في الأصناف التي تقبل الكبس مثل تمر الخلاص.
أضاف أن السوق باتت تزخر بعبوات تمور ذات تصاميم تسويقية متطورة وسهلة الفتح، حيث أصبحت العبوة جزءًا من استراتيجية التسويق وتجربة المستهلك، وهو ما برز في مهرجان صناعة التمور السنوي في الأحساء الذي يشهد تنوعًا متزايدا في أشكال وتصاميم التعبئة.
سهولة الفتح ترفع معدلات الاستهلاك 25%
بدوره أوضح عبيد الغامدي مختص في الاقتصاد الزراعي أن الدراسات التسويقية تشير إلى أن سهولة فتح العبوة والتقديم الجاهز يمكن أن ترفع معدلات الاستهلاك المنزلي بنسبة تتراوح بين 15 و25% خلال المواسم مثل رمضان، فيما قد يؤدي التغليف غير العملي إلى انخفاض الشراء المتكرر وتحول المستهلك إلى علامات تجارية منافسة.
أشار إلى أن كثيرًا من المستهلكين يجدون صعوبة في التعامل مع عبوات التمور المغلقة بالفاكيوم بسبب الضغط الشديد داخل العبوة، ما يقلل من جودة الاستخدام اليومي ويؤثر على سلوك الاستهلاك.

أكد أن ماكينة الفاكيوم غيّرت مسار صناعة التمور من منتج زراعي تقليدي يعتمد على الكبس والتخزين الموسمي إلى سلعة غذائية عالية القيمة ضمن سلاسل الإمداد الحديثة، حيث أسهمت في إطالة العمر التخزيني وتقليل الفاقد وتحسين السلامة الغذائية، ما أتاح الوصول إلى أسواق بعيدة وتعزيز التجارة العابرة للحدود، مشيرًا إلى أن استخدامها التجاري في تعبئة التمور توسع مع مطلع الألفية الجديدة بالتزامن مع نمو الصناعات الغذائية.
بلغ إجمالي إنتاج التمور في السعودية 1.923 مليون طن في 2024 بارتفاع 1% عن 2023، فيما تجاوز عدد أشجار النخيل 37.6 مليون نخلة منها أكثر من 32 مليون نخلة مثمرة، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء
يشير الغامدي إلى تطوير أساليب التغليف والتصميم سيرفع السعر السوقي وتعزيز القدرة التنافسية، حيث يمكن للتغليف الحديث أن يرفع سعر المنتج النهائي بأكثر من 30%، كما قد تزيد العبوات سهلة الاستخدام الطلب الموسمي بنسبة تتراوح بين 10 و25% في الأسواق الخليجية ذات القوة الشرائية المرتفعة.
بحسب ما أوضحته وزارة التجارة لـ "الاقتصادية" قفز عدد السجلات التجارية القائمة لنشاط تجفيف وتعبئة التمور وصناعة منتجاتها من نحو 3 آلاف سجل بنهاية 2024 إلى أكثر من 4.5 ألف سجل بنهاية العام الماضي إي نسبة زيادة 50%.
تصدرت الرياض بنحو 2.1 ألف سجل، تلتها مكة المكرمة بنحو ألف سجل، ثم المنطقة الشرقية والمدينة المنورة والقصيم، ما يعكس تسارع دخول المستثمرين إلى سلسلة القيمة المضافة لصناعة التمور
تتصدر أصناف السكري والخلاص والعجوة والصقعي والصفري والبرحي قائمة الطلب في السوق السعودية، إلى جانب أصناف مثل المجدول، ويظل صنف الخلاص الأكثر ارتباطًا بتقنية الكبس والتغليف بالفاكيوم، رغم إمكانية تحوله من منتج مكبوس تقليدي إلى منتج عالي القيمة عبر تقنيات التعبئة الحديثة، في سباق تتجه فيه صناعة التمور نحو اقتصاد التغليف الذكي وتجربة المستهلك باعتبارهما محركي الربحية المستقبلية.





