في أقل من عقد، لم يعد قطاع التعدين في السعودية مجرد مساحة مفتوحة للاستكشاف، بل تحوّل إلى مختبر استثماري عالي الكثافة، في ظل وجود كنز من الثروات التعدينة داخل باطن الأرض تقدر بأكثر من 9 تريليونات ريال.
الأرقام الصادرة عن القطاع لا تحكي قصة توسع، بقدر ما تميط اللثام عن انتقال هادئ لكنه حاسم من منطق "فتح الأراضي" إلى منطق " تعظيم القيمة"، حيث بات كل كيلومتر مربع يحمل وزنا اقتصاديا أعلى، وكل رخصة اختبارا لقدرة المستثمر.
بحسب بيانات اطلعت عليها "الاقتصادية "، فقد توجت جهود السعودية بالانتقال من التوسع الجغرافي إلى النضج الاستثماري، حيث بلغ عدد رخص الكشف السارية أكثر من 1000 رخصة تغطي مساحة تتجاوز 70 ألف كيلومتر مربع، بما يعكس تحولا إستراتيجيا نحو رفع كثافة الاستكشاف وجودة المستثمرين.
بلغ عدد الشركات والتراخيص النشطة 1012، فيما ارتفع الإنفاق لكل كيلومتر مربع إلى 539 ريالا لكل كيلومتر مربع في 2024، مقارنة بـ 105 ريالات في 2020.
قفزة غير مسبوقة في الرخص
سجل قطاع التعدين قفزة تاريخية في إصدار رخص التعدين خلال عام 2025، بلغت 211% على أساس سنوي. فقد وصل عدد الرخص الصادرة إلى 59 رخصة مقابل 19 فقط في 2024.
تقدر الاستثمارات اللازمة لتشغيل مناجم الفئة (أ)، والبالغ عددها 16 رخصة، بنحو 43.5 مليار ريال ، وتشمل أبرز الخامات: الفوسفات، الذهب، الزنك، والنحاس، البوكسايت، الدولوميت، السيليكا، الحديد.
مدن تعدين صناعية متكاملة
شهد قطاع التعدين في السعودية تدشين مشاريع بنية أساسية وتنموية كبرى، في مقدمتها مدينة "وعد الشمال" للصناعات التعدينية المتقدمة، التي تتركز استثماراتها الصناعية حول صناعة الفوسفات والأسمدة الفوسفاتية.
بلغت قيمة البنية التحتية المنجزة 55 مليار ريال لهذا المشروع، فيما تبلغ قيمة المشاريع تحت الإنشاء 25 مليار ريال.
المرحلة الأولى للبنية التحتية في المدينة بلغت تكلفتها 2.6 مليار ريال، شملت تطوير الإسكان، والمرافق الاجتماعية، والطرق، ومراكز الجهات الرسمية، بما يهيئ بيئة صناعية واستثمارية متكاملة تدعم نمو الصناعات التعدينية.
في مدينة رأس الخير للصناعات التعدينية، تتكامل منظومة صناعية واسعة تضم صناعات الفوسفات، والألمنيوم، والحديد والصلب، والنحاس، والزنك، إلى جانب الصناعات الداعمة مثل المعادن الصناعية، والكيماويات المختصة، وتشكيل المعادن.
تستند المدينة إلى بنية تحتية متطورة تشمل سكة حديد، وميناءً متكاملا، ومحطة لتحلية المياه، وإنتاج الكهرباء، إضافة إلى قرية سكنية متكاملة.
بلغ حجم استثمارات القطاع الخاص في مشاريع التعدين "تشغيل، إنشاء، تصميم" نحو 159 مليار ريال، في حين تجاوزت قيمة المشاريع الإضافية قيد الطلب والإجراء أكثر من 155 مليار ريال.
قطاع المعادن في قلب التحديات
في ظل الأهمية المتزايدة لقطاع التعدين والمعادن، يواجه العالم اختبارا معقدا أمام تحديات غير مسبوقة، تشمل فجوة التمويل، واضطراب سلاسل الإمداد، ونقص الاستثمارات في أعمال الاستكشاف.
تشير التقارير الدولية إلى أن الطلب العالمي على المعادن الحرجة سيتضاعف أربع مرات بحلول عام 2040.
يأتي هذا في وقت تباطأ فيه نمو الإنفاق على المشاريع الجديدة إلى 5% فقط العام الماضي، مقارنة بنسبة 14% في 2023.
تسيطر 3 دول فقط على ما يقارب 86% من نشاط التعدين عالميا، فيما تستحوذ الصين على نحو 95% من القدرات العالمية لتكرير وفصل العناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى امتلاكها ما بين 60-99% من تركز تصنيع المعادن عالميا.
طبقت 72 دولة سياسات تدخلية وحمائية خلال السنوات الـ5 الماضية، شملت حظر تصدير الخامات وفرض الملكية الحكومية على مشاريع إستراتيجية مثل الليثيوم.
تقدر فجوة التمويل العالمية اللازمة لتلبية الطلب على المعادن الحرجة الرئيسية بنحو 360-450 مليار دولار حتى 2030، في ظل تحولات تقنية متسارعة أثرت بشكل مباشر في قرارات الاستثمار، خصوصا في سلاسل المعادن المرتبطة بالليثيوم والكوبالت والنيكل.
قفزة تاريخية للسعودية في الاستكشاف
في السياق، غيرت السعودية قواعد اللعبة عالميا في قطاع الاستكشاف، محققة قفزة 5 أضعاف في الإنفاق على أعمال الاستكشاف خلال الفترة من 2020 إلى 2024، لتصعد إلى مصاف الدول الأسرع نموا عالميا في هذا المجال.
سجل إجمالي الإنفاق على الاستكشاف "القطاع الخاص والحكومة" ارتفاعا ملحوظا، مع تزايد مساهمة الإنفاق الحكومي، والإنفاق قرب المناجم، والقطاع الخاص، لتصل السعودية إلى المرتبة 12 عالميا من حيث نمو الإنفاق، متقدمة على عدد من الدول التعدينية التقليدية.
تمكين البنية التحتية للتعدين
في إطارتمكين المشاريع التعدينية، تعمل وزارة "الصناعة والثروة المعدنية" على تمكين المراحل الأخيرة من البنية التحتية للتعدين، لا سيما في المناطق النائية التي تتركز فيها الثروات المعدنية، حيث تمثل تكاليف المياه والكهرباء ما يصل إلى 30-40% من النفقات الرأسمالية للمشاريع التعدينية.
أطلقت الوزارة مبادرة تمكين البنية التحتية للتعدين لسد فجوة توفر البنية التحتية وربط المناجم بشبكات الكهرباء والمياه المعالجة، بما يسهم في تسريع قرارات الاستثمار وزيادة إنتاج المعادن الرئيسية.
من أبرز المشاريع الرائدة مشروع "جبل صايد"، الذي يهدف إلى إنشاء خط أنابيب للمياه المعالجة يخدم أكثر من مشروع تعديني، ويحقق أثرا اجتماعيا إيجابيا للمجتمعات المحيطة، بالتعاون مع شركاء الوزارة، وهيئة المدن الصناعية، والمؤسسة العامة للري.
9 تريليونات ريال قيمة الثروات المعدنية
ارتفعت قيمة الثروات المعدنية المقدرة في السعودية بنسبة 90% لتصل إلى ما يعادل 9.375 تريليون ريال، وذلك مقارنة بما تم الإعلان عنه من تقديرات في 2016، والبالغة في ذلك الوقت 5 تريليونات ريال.
الزيادة عبارة عن كميات إضافية تشمل اكتشافات جديدة للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الانتقالية، إضافة إلى زيادات هائلة في خام الفوسفات، ومعادن أخرى مثل النحاس والزنك والذهب وغيرها من المعادن، كما تشمل الزيادة إعادة تقييم الأسعار العادلة.
طلب وطني متصاعد وصناعات مستقبلية
أسهم التحول الصناعي وتكامل الإستراتيجيات التعدينية والصناعية ومشاريع الرؤية العملاقة في ارتفاع تقديرات الطلب الوطني على المعادن، مدفوعا بالنمو العمراني، واحتياجات البنية التحتية، وتطور القطاعات الصناعية المتقدمة، مثل السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، وتخزين الطاقة، والطيران، والدفاع.
تشمل مستهدفات السعودية تصنيع أكثر من 500 ألف سيارة، وتوليد 40 جيجاوات من الطاقة الكهربائية بحلول 2030، وتطوير 200 ألف نظام تخزين للطاقة، مع اعتماد متزايد على معادن مثل الألمنيوم، والنحاس، والليثيوم، والجرافيت، والسيليكون، والمعادن الأرضية النادرة.
مركز عالمي للمعادن وسلاسل الإمداد
تهدف السعودية إلى أن تصبح مركزا عالميا للمعادن عبر منظومات متكاملة تشمل الخطة الوطنية للمعادن، والبرنامج الوطني للمعادن الحرجة والإستراتيجية، وتطوير قطاع خدمات التعدين، وتأسيس منصات حديثة لتداول السلع والمعادن عالميا.
تقود شركة التعدين العربية السعودية "معادن"، بالشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة، جهود بناء سلاسل إمداد مستقرة، واستثمارات محلية ودولية، وتوسيع القاعدة الصناعية التعدينية، بما يعزز مكانتها كمركز إستراتيجي عالمي للمعادن.
اكتشافات نوعية وشراكات دولية
أثمرت أعمال الاستكشاف الأخيرة عن موارد معدنية تقدر بنحو 375 مليار ريال، ما يعادل 100 مليار دولار من المعادن الأرضية النادرة.
هذا مع وجود موقعين متقدمين يضمان موارد تقدر بنحو 644 مليون طن بتركيز 0.30% من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، إلى جانب 4 مواقع واعدة بموارد تتراوح بين 364-714 مليون طن، وبتركيزات تراوح بين 0.95% و1.66%.
عززت السعودية شراكاتها الدولية، من خلال مذكرة تفاهم بين وزارة الصناعة والثروة المعدنية ووزارة الطاقة الأمريكية، لتأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وتأسيس مراكز دولية للمعالجة، وتطوير التكنولوجيا، وتبادل المعرفة، بما يعزز موقع السعودية كلاعب محوري في الاقتصاد المعدني العالم.




