المشكلات المحلية.. وضعف صلاحيات المجالس البلدية
الناظر في حال المدن السعودية يجد أنها تعاني الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية، وهي مشكلات مخيفة من الناحية الأمنية والبيئية والسياسية والاقتصادية. وخطورة تلك المشكلات أننا لا نراها أو نتظاهر بعدم وجودها، ولا نرغب التحدث عنها والأسوأ ضبابية المسؤولية والأدوار، وغياب تام لصناعة القرار العام المحلي، وعدم وجود قنوات للتعبير العام وتهميش لدور سكان المدن فيما يخصهم من قضايا. وأصعب وأعقد المشكلات هي تلك التي يتقاذف فيها المسؤولون المسؤولية، ويتنصلون منها، والأدهى عندما لا تحدد المسؤولية فلا يُعرف من المسؤول وتبقى الأمور عائمة دون حل جذري ودون محاسبة! هكذا تتكرر المشكلات بأشكال وأنواع مختلفة دون انقطاع؛ لأننا نكرر الأسلوب العقيم ذاته في معالجتها والتعامل معها بإدارة أزمات وكأنها تقع لأول مرة، ونسارع لنطفئ الحرائق هنا وهناك بردود أفعال آنية وعاطفية، لا تلبث أن تظهر مشكلات أخرى أعتى وأشد من التي قبلها! ذلك إنما تنشأ المشكلات وتكبر وتتفرع بسبب ضعف النظام أو غيابه أو عدم تطبيقه! والمقصود بالنظام هنا هو تحديد المسؤوليات والأدوار والصلاحيات بين الهيئات المركزية والمناطقية والبلدية كل فيما يخصه داخل نطاقه المكاني. فإذا كان تأثير المشكلة يمتد على كامل التراب الوطني أو أكثره فهي مسؤولية الهيئات المركزية، وإذا كانت في حدود المنطقة فتكون مسؤولية مجلس المنطقة، أما اذا لم يتعد تأثيرها نطاق المدينة فتكون المجالس البلدية هي المعنية بمعالجتها. وهناك أمر آخر يجب ألا نغفل عنه في هذا السياق وهو الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية لضمان الرقابة المتوازنة فيما بينها وحتى لا تستأثر إحداها بالسلطة لأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة! هذا جميعه يستدعي اتباع نهج اللامركزية ومنح المجالس البلدية الصلاحيات والأدوار التي تمكنها من إدارة شؤون المدينة بجميع قطاعاتها لتكون المجالس البلدية اسما على مسمى وتدير البلدة ''المدينة'' وليس لجنة استشارية في جهاز بلدي تختزل خدماته في إطار ضيق من الخدمات البلدية التقليدية. هل يعقل أن المجالس البلدية ليست مسؤولة عن المياه والصرف الصحي، ولا عن الحركة المرورية، ولا عن الحالة الأمنية، ولا عن الصحة والتعليم ولا عن التنمية الاقتصادية المحلية والقائمة تطول! إذن، إذا لم تكن المجالس البلدية مسؤولة عن تلك القطاعات المهمة والرئيسة في المدينة، فكيف يحق لنا محاسبتها وقبل ذلك مطالبتها بمعالجة المشكلات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل السطو المسلح، والعمالة السائبة، والمخدرات، والبطالة، والفقر، والعنوسة، والإسكان والازدحام المروري، والتلوث البيئي، وجميعها إفرازات لغياب القرار المحلي الذي لم تُمكن المجالس البلدية من صناعته وإدارة المدينة إدارة شمولية.
المدن السعودية تعيش حالة من غياب الذاكرة الاجتماعية وبناء الخبرة وتطوير حلول إبداعية محلية تحسن من جودة الحياة وترتقي بالمستوى الاقتصادي. وعندما يغيب العمل المؤسسي لصناعة القرار الجمعي يتحول الناس إلى حالة من اللامبالاة والاتكالية ولا يرون إلا مصالحهم الذاتية ولا يهتمون للشأن العام والمصلحة المشتركة، ألا تراهم يهتمون بنظافة مساكنهم ومركباتهم على حساب الإمكان العامة؟! والأدهى والأمر عندما لا يدركون حجم المشكلات التي تجلبها على سبيل المثال العمالة السائبة فيدخلونهم بيوتهم ويتيحون الفرصة لهم للتكسب غير النظامي. هكذا تنشأ بؤر المشكلات والفساد يراها ويعيشها السكان المحليون دون حول منهم ولا قوة. فالسلطات المركزية هي المعنية بإدارة الشأن الأمني المحلي، ولذا ينسحب السكان من المشاركة في تجنب أو الوقاية من الجريمة والمساهمة في حل المشكلات ووضع حلول ناجعة لها تمكن من وأدها في مهدها. معظم المشكلات تخرج من رحم الأحياء السكنية ولو كانت هناك هيئة محلية بصلاحيات كافية وشاملة وشرطة مجتمعية في الأحياء السكنية لتمكن السكان المحليين من إدراكها في وقتها والتعرف عليها والتعامل معها وهي لم تزل صغيرة لم تكبر بعد. إلا أن واقع الحال أن تلك المشكلات تبدأ صغيرةً وتترك لتكبر مع مرور الوقت دون أن يكون باستطاعة الهيئات المركزية الإلمام بها أو الاهتمام بها لأنها ليست من أولوياتها. هكذا تتحول المشكلات إلى طود كبير ومن مشكلات محلية إلى مشكلات وطنية تستنزف الجهد والمال والوقت والمهم تبعاتها السلبية التي تطال الجميع ولمدى زمني طويل.
لقد تطورت المجتمعات وأصبحت أكثر نضجاً ودراية وكان من الضروري أن يتطور معها العمل الحكومي المحلي وتمنح المجالس البلدية أدوارا أكبر وصلاحيات أوسع تمكنها من إدارة الشأن المحلي بدلاً من المركزية الشديدة والبيروقراطية البطيئة التي لا تستطيع مجاراة متطلبات السكان ولا مواجهة التحديات التي تتزايد كماً وصعوبةً. وأخشى أن يؤدي ضعف المجالس المحلية إلى فقدان الثقة بها وبالعمل المجتمعي المشترك ليظل الناس اتكاليين مسلوبي الإرادة لا يهتمون بشؤونهم المحلية ولا للمصلحة الجماعية. إن توسيع صلاحيات وأدوار المجالس البلدية أمر تحتمه التغيرات الحضرية والسكانية والثقافية والسياسية والاقتصادية. لم يعد تطوير الإدارة المحلية اختياراً، بل واجباً حتى نتمكن من مواجهة التحديات المقبلة التي تستدعي تعاون جميع مكونات المجتمع المحلي وليس فقط الجهات الرسمية المركزية. لقد قطعت كثير من الدول شوطاً كبيراً في التحول نحو اللامركزية عبر استراتيجيات وسياسات وخطط، وبلغت من النضج أنها تطبق الحوكمة المحلية بعد أن تجاوزت مرحلة الإدارة المحلية والحكم المحلي. وتعني الحوكمة المحلية أن مسؤولية صنع القرار المحلي لم تعد مقصورة على الجهاز الحكومي المحلي، وإنما تشارك فيه مؤسسات الأعمال الخاصة ومؤسسات المجتمع المدني وجميع السكان. هكذا فقط يمكن ضمان فاعلية السكان ومساهمتهم في حل المشكلات وتطوير مجتمعاتهم المحلية. وهنا لا بد من لفت الانتباه إلى أن تطوير عمل المجالس البلدية يأتي ضمن إطار أعم يستلزم إصدار نظام للإدارة المحلية ينظم العلاقة بين الهيئات المركزية ومجالس المناطق والمجالس البلدية. هذا قرار وطني ومصيري وعاجل، فهل يتم إصدار نظام للإدارة المحلية قريبا؟!