القطاع الخاص ومحطات التحلية
طالب مجلس الشورى في جلسته يوم 5/7/2011، بإعادة تقييم تجربة القطاع الخاص في إنشاء محطات التحلية بعد اطلاعه على التقريرين السنويين الماليين للمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة 1429/1430هـ، ودعا أغلبية أعضائه إلى إجراء دراسة لخفض تكاليف الإنشاء وإعداد دراسات الهندسة القيمية لهذه المشاريع.
هذه المطالبة لا يمكن أخذها إلا على أنها رغبة أكيدة من "الشورى" في تصحيح مسار سياسة التخصيص الهادفة إلى تشجيع القطاع الخاص لكي يتولى الصيانة والتشغيل وكذلك البناء والإدارة، وأسهمت هذه السياسة في تنويع مجالات مشاركة القطاع الخاص وتعميق دوره في القيام بمهام عديدة في صناعة التنمية في مرافقها الخدمية أو الحيوية.
وبقدر ما اكتسبه القطاع الخاص من خبرة جديدة سواء في توسع النشاط أو في تنوعه نجد أن حصاد التجربة في مجال محطات التحلية على مدى السنوات الماضية لم يسفر - رغم ما تحقق من النجاح - عن رجحان مأمول للجوانب الإيجابية التي كانت تتوخاها الدولة من القطاع الخاص، حيث ظل هذا القطاع يتعامل مع مشاريع التحلية كصفقة مقاولات يكتفي منها بالإنشاء بشروط ونفقات لا تحقق هدف سياسة التخصيص اقتصاديا وفنيا، فلا خطوات مميزة في امتلاك ناصية صناعة تحلية المياه أو إنتاج الطاقة الكهربائية بالجودة المطلوبة ولا تحقق الجدوى الاقتصادية المأمولة.
إن استعراضاً لحجم الإنفاق على مشاريع إنشاء محطات التحلية يشير إلى أرقام فلكية، فهو على سبيل المثال في محطة (الشعيبة 3) قد بلغ 9.225 مليار ريال وفي (الشقيق 2) بلغ سبعة مليارات ريال .. وتلك أرقام سينجم عنها بالضرورة ارتفاع تكلفة إنتاج الماء والكهرباء على نحو غير اقتصادي، في وقت تحرص فيه الدولة على عدم تحميل هذه التكاليف على فواتير الكهرباء والماء بالدعم والإعانة للتخفيف عن كاهل المواطن، غير أن ذلك في النهاية لا يشكل امتيازا في سياسة التخصيص طالما أن شركات القطاع الخاص رغم استئثارها بعقود مرتفعة جدا، لم تقو بعد على إحداث أي اختراق فني تقني في صناعة التحلية والطاقة الكهربائية لخفض تكلفة الإنتاج والبرهنة على أن القطاع الخاص بديل كفء عن المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة فيما لو أن هذه الأموال وجهت لميزانية المؤسسة.
إن ضخ الأموال في قنوات القطاع الخاص في مسار يعزز الحراك في مشاريع التنمية، مطلب مهم ليس من أجل خلق مناخ استثماري وطني نوعي فحسب، وإنما من أجل أن يكون القطاع الخاص وسيلة إحداث التحول النوعي في بنية التنمية وتحقيق ريادات جديدة سواء في توطين التقنية واستنباتها، أو في دمج القوى الوطنية في عملية الإنتاج بكل مراحله، فضلا عن أن يتم الإنتاج بأقل قدر من التكلفة، بحيث لا تكون أموال عقود الإنشاء مجرد استنزاف لموارد الدولة، وشحما لسنام القطاع الخاص، بل آلية تشجيع ودعم وحفز مادي معنوي من قبل الدولة ينبغي للقطاع الخاص مقابلته بمبادرات عملية علمية في الدراسات والبحوث والتقنيات والتطبيقات التي تجعل من عملية الإنتاج، مجدية اقتصاديا وقادرة على الوفاء باحتياجنا الوطني في ظل معدل النمو المرتفع للسكان والظروف المناخية الصحراوية الصعبة مع الإسهام في الحد من الاستهلاك المرتفع جداً من إنتاجنا النفطي محلياً، بل دفع قطاع التحلية برمته لكي يتحول إلى قطاع يتم إنتاجه هو بطاقة بديلة!