في التسبيب لأحكام القضاء
يعتبر العمل القضائي النتاج العملي الأصلي للمحاكم بأنواعها, وتدخل في ذلك اللجان شبه القضائية مثل لجنة تسوية المنازعات المصرفية واللجان العمالية ومكاتب الفصل في وزارة التجارة بشأن (الأوراق التجارية) وغيرها من اللجان .. وينقسم هذا النتاج القضائي إلى: قرارات أصلية ومساندة وإلى أحكام, ومن المقرر في فقه الأحكام القضائية أن التسبيب شرط لصحة الحكم القضائي, وذلك بذكر الأسانيد التي تبرر اتساق الحكم مع القاعدة الشرعية أو القانونية سواء بالنص واضح الدلالة أو بالقياس المنطقي أو المصلحة المعتبرة وفق أسس العدالة, ويكفي في ذلك بعض الأسباب المؤثرة, ولا يشترط إيراد كل الأسباب الغث منها والسمين, بل يكتفى بما أقام كيان الحكم ولو كان سبباً واحداً, وقد نصت المادة 31 من قواعد المرافعات والإجراءات أمام ديوان المظالم على: "يجب أن يشتمل إعلام الحكم على الأسباب التي بني عليها وبيان مستنده .." والمهم في العملية القضائية أن يكون التسبيب واضحا نصاً ومعنى, لكن هل كل العمل القضائي يشترط له التسبيب وينبني على هذا القول بصحة عمل القاضي من بطلانه؟ والجواب عن هذا التساؤل المهم : ليس كل ما يصدر من القاضي يشترط له التسبيب, فقد جرى العمل على عدم تسبيب بعض ما يتخذه القاضي من قرارات وأوامر وإثباتات؛ لأَنَّها ليست أحكاماً قضائَّية بالمعنى الاصطلاحي للحكم الذي يحصل به الفصل بين المتنازعين, وقد أشار إلى بعض منها الشيخ عبد الله آل خنين في كتابه "تسبيب الأحكام القضائية".
ومن هذه الأعمال التي جرى العمل بأَنَّها لا تُسَبَّب ما يلي:
1- دعاوى الثبوت المحض (القضايا الإِنْهائيَّة):
تقوم المحاكم ببعض الأعمال الولائيَّة التي لها صفة الإثباتات والتوثيق, فهذه الأعمال لا يلزم تسبيبها. وذلك مثل: حجج الاستحكام, وحصر الورثة, والولاية على القُصَّار والأوقاف, وإثبات الوقف, والوصيَّة؛ وذلك لوضوح أسبابها عادةً مما سُطِّر في محاضرها.
2- إجراءات الإثبات:
إِنَّ القاضي أثناء سيره في الدعوى يقوم بأعمال تتعلق بإجراءات الإثبات في الدعوى العامة أو الإدارية, وذلك مثل: تنقيح الوقائع تهيئةً لإثباتها, ومثل: طلب البينة من المدعي, أو المدعى عليه, أو الأمر بتعيين خبيرٍ من محاسبٍ ونحوه, أو التحقّق من صحة السند الكتابي أو إلزام شخصٍ من خصم أو غيره بتقديم ورقة تحت يده أو الأمر بإجراء معاينةٍ أو استجواب خصمٍ, فكل ذلك يتّخذه القاضي من دون تسبيب قراره في ذلك, ويدخل في ذلك ما يجري كثيراً في القضاء الإداري من نقل عبء الإثبات إلى جهة الإدارة لعدم توافره مع المدعي, ولا يشترط في هذه الإجراءات التسبيب ولو كانت هذه الإجراءات صادرة بخطابات رسمية أو قرارات, وما ذلك إلا لكثرته ومشقته واكتفاءً بأسباب الحكم عند الفصل في النزاع إذا استدعى المقام تسبيب هذا الإجراء, ومن ذلك تسبيب رفض طلب الإثبات, على أن القاضي إذا لم يأخذ بنتيجة الإثبات وجب عليه أن يسبّب ذلك عند إصدار حكمه ـــ كما سيأتي بيانه في طرائق التسبيب ــ وكذا إذا عَدَلَ القاضي عمّا أمر به من إجراءات الإثبات فإن عليه أن يبين أسباب ذلك في ضبط القضيَّة.
3- الأعمال الإدارية المتعلقة بسير الخصومة
هناك أعمال إدارية يتخذها القاضي عند سير الخصومة, مثل: طلب أحد الطرفين تأجيل أحد المواعيد في الدعوى, أو إدخال طرف ثالث في الدعوى, أو قفل باب المرافقة ونحو ذلك. فإذا قرر القاضي الموافقة على التأجيل أو رفضه أو إدخال طرف ثالث في الخصومة أو رفضه أو قفل باب المرافقة لم يلزمه تسبيب هذا القرار حالاً, على أَنْ يُنَوِّهَ القاضي عن أسباب ذلك عند تسبيب الحكم إذا أراد الفصل في القضية إذا كان الإجراء مما يمكن دخوله في أسباب الحكم احتراماً لحق الدفاع فقط لا غير.
- تسبيب هذه الأعمال عند الاقتضاء
جرى العمل على أنه إذا استدعى المقام تسبيب هذه الأعمال إما لرفع لبس, وإما لدفع توهم تعسف القاضي فيما قرره, وإما لاحترام حق الدفاع, وإما للحمل على القناعة بالإجراء, ونحو ذلك- فإن القاضي يسبب مثل هذه الأعمال السالف ذكرها في الفقرات السابقة عند اتخاذ الإجراء, مثل: رفض تأجيل أحد المواعيد في الدعوى, أو إدخال طرف ثالث فيها.
على أن كل حكم يصدر قبل الفصل في موضوع الدعوى ويجوز الطعن فيه على استقلال ـــ مثل الحكم بوقف الدعوى ـــ فإنه يجب تسبيبه ولو تعلق ذلك بسير الخصومة.
تنبيه:
من الأخطاء الشائعة من خلال ممارستي العمل القضائي عدم تسبيب الحكم حال انقضاء الدعوى أو انتهاء الدعوى ـــ على من يفرق بينهما ـــ وذلك اعتقاداً بأن الحكم في هذه الحالة لا يشترط التسبيب, وهذا خطأ, لأن الحكم بانتهاء الدعوى أو انقضائها يعتبر حكماً قضائياً يقوم على الوقائع المؤثرة ومنها طلب المدعي التنازل عن القضية المنظورة لدى القاضي, وبالتالي فإن الحكم الخالي من أي تسبيب في القضية المحكوم فيها بانتهاء الدعوى يعتبر معيباً. وكل ما ذكر أعلاه يقبل النقاش لأنه داخل في دائرة الاجتهاد السائغ ويمكن إضافة غيرها من الأعمال والقرارات. وفقكم الله جميعاً لما يحبه ويرضاه, وأتمنى لكم حياة هادئة مطمئنة كلها محبة ورحمة بعيدة عن الأحزان والضيق.