تقدير الضرورة تأصيلا
من المسائل التي نحتاج إليها في حياتنا المعاصرة هي مراعاة ظروف للناس في أحوالهم وعدم سلوك مسلك واحد للجميع, ويدخل في ذلك (الضرورة) والإشكال الأكبر في فقه وأحكام الضرورة هو تقديرها. وللعلماء في هذا مسلكان:
المسلك الأول
تحديد وتقنين مقياس معين للمشقة وللضرورة, وهذا المقياس يكون ذا معيار واحد لعموم الأفراد والمكان والزمان والبيئات, وهذا هو رأي الإمام القرافي المالكي في كتابة الفروق. وهذا المنحى قريب من منحى الإمام العز بن عبد السلام وابن نجيم الحنفي.
المسلك الثاني
عدم تحديد مقياس معين لضابط الضرورة, وهذا رأي الإمام أبو عبد الله المقري, ولا شك عندي أن النظرة الموضوعية للضرورة من مدلولاتها اللغوية والاصطلاحية ومقاصدها الشرعية تدل على أنها ليست معنى مجرداً من اعتباراً الزمان والمكان والأشخاص والمجتمعات ومختلف البيئات، بل هي معنى مركب من هذه الاعتبارات سواء كانت منفردة أو مجتمعة.
وهذا بدوره يكشف اللثام عن بعض أسباب اختلاف الفقهاء في تقدير الحالات العينية والقضايا الشخصية، برغم إجماعهم وتسليمهم بأثرها في الأحكام الثابتة واعتبارهم الأوضاع الطارئة إذا لا يمكن قياس جميع الحالات والأشخاص والبيئات بمقياس واحد.
يقول العلامة الشاطبي: ''إن سبب الرخصة المشقة، والمشقة تختلف بالقوة والضعف، وبحسب الأحوال، وبحسب قوة العزائم وضعفها، وبحسب الأزمان وبحسب الأعمال''.
وإذا كان كذلك فليس للمشقة المعتبرة في التخفيفات ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد في جميع الناس. ويتضح أن أخذ كل الاختلافات الفردية والجماعية, والفوارق الزمانية والمكانية في الاعتبار هو الأنسب والأليق بسماحة الشريعة الإسلامية, التي لم تغفل مراعاة الحالات الخاصة والطارئة، خاصةً عندما يكون التشريع عاماً مطرداً.
ومن المصائب التي يلمسها المجتمع أن يكون المفتي أو القاضي يقدر ظروف الناس من خلال واقعه المترف, بل قد لا يدور بخلده أن هناك ضرورات للناس ويشدد على الناس بصورة منفصلة عن الواقع, وهذه الحالة كثيرة ـــ ومع الأسف الشديد ـــ خاصة في قضايا التمويل والمرأة, وليس بخاف أنه في بعض الأحوال يصعب وضع حدود دقيقة بين الشاق وغيره إذا أخذنا في الحسبان اختلاف الأشخاص قوة وضعفاً، فمثلاً: الحكم على استعمال بعض الأدوية التي فيها الكحول يختلف من حال إلى آخر, وكذلك طلب المتعاقد فسخ العقد لارتفاع الأسعار بصورة غير طبيعية أثناء التنفيذ, وكذلك عمليات التجميل للنساء وأيضاً للرجال.
وغيرها من الأمور التي تختلف فيها معايير الضرورة حسب اختلاف الأشخاص وقدراتهم الجسمية والمالية ومكانتهم السياسية والاجتماعية، الأمر الذي يستحيل أن توزن به الضرورات كافة بمقياس واحد.
عند ذلك من له حق تقدير الضرورة؟
الضرورة من الأمور الاجتهادية، فمنها ما هو متصل بأمور الجماعة، ومنها ما هو متعلق بخصوصيات الأفراد. أما ما كان متصلاً بأمور الجماعة والمجتمع فهو مسؤولية الحاكم الشرعي صاحب السلطة التنفيذية في البلاد أو من ينيبه, فجمع القرآن الكريم في مصحف واحد كان ضرورة تهم جماعة المسلمين عامتهم، تولاها الخليفة الراشد عثمان بن عفان ـــ رضي الله عنه ـــ وتوقيف تنفيذ حد السرقة لمدة معينة كان ضرورياً بسبب المجاعة كان من شأن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ـــ رضي الله عنه.
أما ما كان متصلاً بخصوصيات الأفراد فتقديره موكول على ديانتهم، يحكمون فيها ضمائرهم، بحيث تتفق ممارستهم وأحكام الشريعة، في غير خدعة ولا تضليل, ومن الطرائف أن مذيعا اتصل عليّ وقال هل حلق اللحية للمذيع في أيام عشر ذي الحجة ضرورة لأني سأضحي ولا بد أن (أضبط شكلي) في التلفاز!
وجاءت القرارات في المجامع الفقهية والهيئات الشرعية متفقة مع هذا المبدأ الشرعي، والتقسيم السابق، حيث أناطت حكومات الدول الإسلامية بها إصدار القرارات والفتاوى فيما يتصل بأمور الجماعة الإسلامية، أوله الخصوصية الفردية فتصدر القرار الشرعي فيها، ينفذ الحكام منها ما يخص الجماعة والمجتمع الإسلامي، بخلاف الخصوصيات في مسؤولية الأفراد وديانتهم, التي تأخذ حكماً عاماً.
ومن الأمثلة العديدة في هذا الموضوع ما صدر من قرارات وتوصيات عن المؤتمر الثاني للمجمع البحوث الإسلامية في مصر عام 1385هـ/ 1965 في الفقرة الثالثة من القرار الثاني عن المعاملات المصرفية ما جاء في النص التالي:
''الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة، ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه ضرورة. وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته''.
وقد تصدر فتوى الجماعة ولأهل بلد التشابه الظروف المعتبرة للتقدير مثل:
قرار المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث في مسألة شراء المساكن بالقرض الربوي ونصه:
''نظر المجلس في القضية التي عمّت بها البلوى في أوروبا وفي بلاد الغرب كلها، (وأيضاً بعض البلاد الإسلامية) وهي قضية المنازل التي تشترى بقرض ربوي بواسطة البنوك التقليدية. وقد قُدمت إلى المجلس عدة أوراق في الموضوع ما بين مؤيد ومعارض، قرئت على المجلس، ثم ناقشها جميع الأعضاء مناقشة مستفيضة، انتهى بعدها المجلس بأغلبية أعضائه إلى ما يلي:
*يؤكد المجلس على ما أجمعت عليه الأمة من حرمة الربا، وأنه من السبع الموبقات، ومن الكبائر التي تؤذن بحرب من الله ورسوله، ويؤكد ما قررته المجامع الفقهية الإسلامية من أن فوائد البنوك هي الربا الحرام.
* يناشد المجلس أبناء المسلمين في الغرب أن يجتهدوا في إيجاد البدائل الشرعية، التي لا شبهة فيها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، مثل (بيع المرابحة) الذي تستخدمه البنوك الإسلامية، ومثل تأسيس شركات إسلامية تنشئ مثل هذه البيوت بشروط ميسرة مقدورة لجمهور المسلمين، وغير ذلك.
* كما يدعو التجمعات الإسلامية في أوروبا أن تفاوض البنوك الأوروبية التقليدية؛ لتحويل هذه المعاملة إلى صيغة مقبولة شرعاً، مثل (بيع التقسيط) الذي يزاد فيه الثمن مقابل الزيادة في الأجل، فإن هذا سيجلب لهم عددا كبيرا من المسلمين يتعامل معهم على أساس هذه الطريقة، وهو ما يجري به العمل في بعض الأقطار الأوروبية، وقد رأينا عددا من البنوك الغربية الكبرى تفتح فروعا لها في بلادنا العربية تتعامل وفق الشريعة الإسلامية، كما في البحرين وغيرها.
* ويمكن للمجلس أن يساعد على ذلك بإرسال نداء إلى هذه البنوك؛ لتعديل سلوكها مع المسلمين.
وإذا لم يكن هذا ولا ذاك ميسراً في الوقت الحاضر، فإن المجلس في ضوء الأدلة والقواعد والاعتبارات الشرعية، لا يرى بأسا من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكنه هو وأسرته، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكّنه من شرائه بغير هذه الوسيلة، وقد اعتمد المجلس في فتواه على مرتكزين أساسيين.
وللحديث مزيد بقية ــ بإذن الله.