الجينات والتحول الجديد
يبدو أن هاجس الأعداد المتزايدة لسكان الأرض يعد مصدر ربح لشركات أتقنت حساباتها ودراساتها لتستطيع السيطرة والتحكم فيما يمكن أن تتناوله مليارات الأفواه حول العالم.
فالعالم طوال الـ 40 سنة الماضية كانت تنتشر فيه تقنيتان هما الحاسوب والجينات، أي كنا نتعامل مع اتجاهين رئيسيين من العلوم هما علوم المعلومات وعلوم الحياة، لكن يبدو أن خريطة التطورات الواحد والعشرينية تنقلنا بسرعة إلى اندماج هاتين التقنيتين، أي استخدام الكمبيوتر في فك رموز الجينات والتحكم فيها واستغلالها وتجميعها، حيث تستطيع الأساليب المعملية للتقنية الحيوية فصل أي موروث من أي كائن ووضعه في كائن آخر ومنها المحاصيل، مثل تفاحة برائحة الأجاص وطعم الدراق.
إذاً سيكون النفط الجديد في عالم هذا القرن هو ''الجينات''، وقد تكون قوته أقوى بمراحل من الأشكال التقليدية للوقود الأحفوري، التي كانت مسيطرة في القرنين التاسع عشر والعشرين.
وما يعطينا الإثباتات على التحول الجديد هو ما تقوم به أربع شركات كيماوية هي: مونسانتو Monsanto، دي بونت Dupont، نوفارتيس Novartis، وهوكست 'Hoechst، التي تعد من العمالقة حول العالم في مجال الكيمياء الحيوية.
اتخذت تلك الشركات قرارها في السنوات الأخيرة ببيع أقسامها الكيماوية كلها لتتفرغ بشكل كامل لعلوم الجينات وإنتاجها في محاولة مستميتة لتصنيع نفطها الخاص المسمى ''الجينات''. أي بمعنى أن تستولي الشركة على بذور المحاصيل, وخصوصا من الأراضي التي تنتمي للعالم الفقير, وتجري عليها بعض التعديلات مثل زيادة في الحجم أو إضافة لون أو نكهة مختلفة. ربما قد نصل قريبا إلى زمن ننسى فيه الرائحة والشكل والطعم التقليدي للطماطم أو التفاح وغيرهما مما أنتجته أمنا الأرض منذ آلاف السنين.
فمثلا تلك المحاصيل المعدلة قضت على 90 في المائة من المزروعات التقليدية كالفانيلا في مدغشقر وقصب السكر في كوبا والفلبين والكاكاو في إفريقيا، كما أن ملايين الهكتارات حول العالم تزرع من تلك المزروعات المعدلة وراثيا في 25 دولة.
أيضا نشأ شكل جديد من التجارة في قاموس المعاملات الاقتصادية, فليس هناك من بائع أو مشترٍ, فعندما تتعاقد الشركة مع المزارع تقوم بتأجير البذور لموسم واحد فقط. ودخلت في مصطلحات الزراعة ما يسمى ''البذور المعقمة''، أي التي لا يمكن استخدامها لمواسم إضافية. والتعقيم هو ببساطة تركيب شيفرة للبذور تدخلها في حالة سبات أو سكون، مما سيجبر المزارع على شراء الشيفرة التي تسمح بتحرير المفتاح الجيني لكي تنبت البذور من جديد.
وهناك خمس شركات لعلوم الحياة تمتلك أكثر من 40 في المائة من كل بذور العالم.
قد تكون المزاعم الأقوى لتلك الشركات أن مزروعاتها المعدلة ستساعد على حل مشكلة الغذاء العالمية، لكن منظمات مثل ''غرينبيس'' و''أصدقاء الأرض'' كذبت تلك المزاعم، حيث أظهرت أن 99 في المائة من المزروعات المعدلة جينيا تزرع لتغذية الماشية وإنتاج الوقود الحيوي للبلدان الغنية وليس لإطعام الفقراء، كما أنها تحتاج إلى كميات إضافية من مبيدات الحشرات الأمر الذي يؤثر سلبا في المناخ.
وقد برر الرئيس التنفيذي لمجموعة سينجيتا نشاطهم في مجال التعديل الوراثي بأن: ''عوامل الدفع الرئيسية هي الغذاء والإشباع، حيث إن الناس حين يصبحون أغنى فإنهم يتحملون تكلفة مزيد من السعرات الحرارية من خلال إضافة مزيد من البروتينات القائمة على اللحوم إلى أنظمة طعامهم''.