التربية في مربعها الإنساني (5 من 6)

لقد كانت مهمة صعبة, فالكتابة عن الحرية هي بمثابة العروج بالإنسان إلى حيث الله سبحانه وتعالى في مقامه العلوي, فالسماء أرادت للإنسان أن يبقى كريما حتى وهو في قمة ضعفه, لم تسمح للإنسان نفسه بأن يتاجر بكرامته فهي أمانة عنده وسيسأل عنها ويحاسب عليها باعتبارها أكبر النعم التي تفضل بها الله على الإنسان. فالتربية لا يقوم بناؤها إلا بمقدار ما تقدمه من مناخ تتعزز فيه حرية الإنسان. فأكثر ما يجب أن تنشغل به التربية هو انعتاق الإنسان من كل القيود والأغلال في رحاب العبودية الخالصة لله سبحانه وتعالى. فركن الحرية هو الذي يأخذ بالعملية التربوية إلى حيث تختمر إنسانية الإنسان فإذا تضعضع هذا الركن تشوهت إنسانية الإنسان وانحطت قيمته, وأما إذا قام بناؤه واستقوى عوده تخلقت إنسانيتنا في أحلى صورها وكان لها حضور قوي في داخل نفوسنا, نستقوي بها حتى في اقتلاع ما قد يستجد من أغلال تنتقص من حريتنا.
فالحرية هي من القيم الكلية التي تستوعب كل وجود الإنسان, والتربية عندما تتحرك في إطار الحرية فإنها في الحقيقة تهدف إلى تعزيز وجود الإنسان لأن الإنسان من دون هذه الحرية يفتقر إلى الإطار الذي يتيح له الفرصة لممارسة وجوده. فالإنسان كائن له استعدادات وإمكانات وغياب الحرية يعني تعطيل هذه الإمكانات وسد الطريق أمام هذه الاستعدادات من أن تأخذ طريقها إلى أفعال وممارسات وأعمال ملموسة. فإنتاج إنسان فاعل له علاقة قوية بمقدار ما يعيشه من حرية في تفكيره ومن حرية في ممارساته. فالحرية هي إطلاق لهذه الإمكانات وإتاحة الفرصة لهذه الاستعدادات من أن تتحول إلى إنجاز على أرض الواقع. فالواقع يتطور ويتشكل بمقدار ما يمارس الإنسان من حريته, فحرية الإنسان هي فعاليته وتغييب الحرية من حياة الإنسان هو تعطيل لفاعلية الإنسان. وعندما ننظر إلى تجربة الإنسان في الماضي والحاضر نجد أن الحرية كانت قرين للتطور وأن الحرية كانت الأساس في بناء الحضارات, واليوم تعيش الإنسانية حالة متقدمة من التطور العلمي والتقني والتنظيمي وهذه الحالة من التقدم أحدثت خوفا وقلقا عند البعض من العلماء والمفكرين من أن يصل هذا التقدم إلى حافة الانفلات والخروج عن سيطرة الإنسان, ولكن هذا الخوف هو خوف غير مبرر لأن عقل الإنسان يبقى يكبر ويتطور بمقدار ما يعطي وينتج ولكن هذا الخوف هو في الحقيقة دعوة علمية مبطنة إلى أن يمارس العقل حريته في إطار عبوديته لله سبحانه وتعالى, وهي دعوة إلى أن يمارس العالم حريته في إطار الخشية لمن وهب الوجود لهذا الإنسان بما يحويه هذا الوجود من إمكانات ممتدة ومتصلة ومتجددة بفضل الفيض الإلهي. وإذا كانت التربية هي عملية بناء للإنسان ولا يقوم هذا البناء إلا بإيجاد كيان فاعل يمارس قدراته وإمكاناته, ولا تنطلق هذه القدرات والإمكانات إلا عندما يمارس الإنسان حريته, فكيف للتربية من أن تحقق غرضها والغاية منها عندما لا تخط مسارا يعزز من حالة الاستعداد للإنسان. فالتربية تنشد في أسمى غاياتها أن تحفظ للإنسان حريته وأن تبين له أن وجوده الحقيقي لا يتحقق إلا بمقدار ما يطلقه من إمكانات مختزنة في داخله, فهو مخلوق قادر وعنده من الاستعدادات ما لا حد لها وعلى التربية أن تتكفل بإزاحة القيود النفسية التي تقف في طريق هذه الاستعدادات.
وإذا كانت الحرية ضرورة تربوية لأننا أمام مخلوق يمتلك قدرات وإمكانات واستعدادات لا يمكن أن يمارسها ولا يستطيع أن يطلقها إلا بمقدار ما يعطى من حرية, فإن الحرية أيضا ترتبط بقضية ابتلاء الإنسان في هذه الحياة, فالإنسان بمقدار ما هو مستعد لممارسة الحياة هو أيضا مطالب بأن يربح معركة الاختيار. وكيف له أن يدخل هذه المعركة وليس عنده الحرية في دراسة خياراته ووضع قراره بنفسه. فالابتلاء هو اختبار والاختبار هو اختيار من بين جملة من الخيارات وعملية الاختيار لا تتم بالإكراه وعليه فالتربية يجب أن تعد الإنسان لابتلائه لأن مصيره يرتبط بما سينتهي إليه هذا الابتلاء, فشل أم نجاح, سعادة أم شقاء, ارتقاء أم انحطاط, تكامل أم انشطار, وتعزيز الإحساس والشعور بالحرية هو من باب الاستعداد لهذا الابتلاء. فالعدالة الإلهية تقتضي ألا تبتلي المخلوق إلا عندما يكون حرا وبالتالي جعل الله حرية الإنسان في صلب فطرته وجعل الانتقاص من حرية الإنسان ظلما, بل أكثر من ذلك جعل الله الإنسان ظالما لنفسه إن ارتضى هو نفسه لأن تنتقص من حريته. فالإنسان الذي لا يربى على الاحتفاظ بحريته لا ينتظر منه أن يدفع الظلم عن نفسه، ومن هنا فإن حركة التربية في دائرة الحرية تنتهي إلى جعل المجتمع أكثر قربا من العدالة والتي هي الأخرى من القيم الكلية التي يقوم عليها الوجود الإنساني. وأما كيف تنتظم هذه العدالة في ظل تدافع الناس لممارسة حريتهم، فالجواب أنها تنتظم في إطار الامتناع والخشية من الله سبحانه وتعالى, الخشية من أن تأخذ بي حريتي إلى ما يتجاوز حرية الآخرين, فممارسة الإنسان لحريته تدور في فلك الحقوق والأخلاق وكل من الحقوق والأخلاق لها دورها في ضبط حركة وإيقاع التدافع البشري.
والتربية في إطار الحرية هي تفعيل للتربية من أجل الحفاظ على حرمة الإنسان, فوجود الإنسان فيه نفخة إلهية تشده إلى العلو, فهذه النفخة الإلهية أضفت على الإنسان حرمة في وجوده, فوجوده مقدس, وهذه الحرمة هي التي جعلت من الإنسان مخلوقا له كرامة خاصة عند الله. وتكريم الإنسان من قبل الله يقتضي منا أن نحفظ لهذا الإنسان كرامته. فكيف لنا أن نوفق بين التربية وحفظ كرامة الإنسان من غير الحرية, فعندما يتمرد الإنسان على الظلم ويرفض القهر والإكراه فإن رفضه هذا حتى وإن لم يرفع عنه هذا الظلم إلا أنه ممارسة لحريته وهذا لا يتحقق إلا للنفس الحرة, وفي المقابل عندما تفشل التربية في استحضار الحرية في نفوسنا فإننا في غيابها قد لا نكون فقط غير قادرين على دفع الظلم عنا بل إننا قد نستجلب الظلم علينا, فالذي يعيش الذل في داخله يبحث عمن يذله، والضعيف يبحث عمن يستضعفه والذي يعيش الحقارة يستجدي الحقارة من غيره. فكما قال المفكر الإسلامي الجزائري عن فكرة القابلية والاستعداد وأنها ربما هي الأصل في حدوث الأشياء, فلا تستعمر الشعوب والأمم إلا لأنها عندها القابلية لهذا الاستعمار وهكذا في حالة الظلم والاضطهاد وممارسة الاستبداد, فالتربية عندما تفشل في إنتاج إنسان حر وتنتهي به إلى أن يكون إنسانا يعيش الذل والحقارة في داخله فإنه من الطبيعي أن تجده إنسانا في حالة من الاستجداء والنفاق والتذلل للآخرين وهذه الصفات هي من صفات الإنسان المستعبد, وإذا كنا نريد غير هذه الحالة للإنسان فعلينا أن نجعل من التربية الأداة التي ترتقي بحرية الإنسان لا أن تكرس عنده حالة الاستحقار والاستعباد.
كنا نريد أن يكون حديثنا في هذه الحلقة عن الركن الرابع من أركان التربية أو عن ضلعها الإنساني الرابع وهو السلام إلا أن موضوع الحرية فرض نفسه, فهناك الكثير من الممارسات التربوية التي نعتقد أنها تعزز الجانب الأخلاقي في حياتنا إلا أنها في الحقيقة هي توظيف سيئ للموضوع الأخلاقي بالشكل الذي لا يحقق ما تهدف إليه الأخلاق نفسها وهو الارتقاء بإنسانية الإنسان وحفظ كرامته, فهذه الممارسات إن لم تعزز من ممارسة الإنسان لذاته وحريته فهي ليست من الأخلاق وهذا يستدعي منا أن نخلص التربية منها ومن آثارها السلبية.. وللحديث تتمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي