التربية في مربعها الإنساني (4 من 6)
كان حديثنا عن الركن الثاني في التربية في إطار مفهومها الإنساني وهو حق الطفل على والديه أن يحظى باحترامهما وألا يتسببا في سلوكهما معه وبعلاقتهما به إلى الإحساس بالدونية والشعور بالنقص. وتبين لنا أن عقدة الشعور بالنقص وعدم الإحساس بالاحترام من قبل الآخرين له هو من الأمراض النفسية التي تشوه من شخصية الإنسان. فالإنسان الذي لم يشبع نفسه وغريزته بإحساس العزة وعدم الشعور بالذلة في مرحلة تكوينه النفسي وبالأخص في مراحل طفولته، فإن مثل هذا الإنسان الذي عنده نقص في جانبه الشعوري بأنه إنسان محترم قد يصبح إنسانا بشخصية قلقة، وقد يدفعه هذا القلق وعدم التوازن إلى سلوكيات وممارسات منحرفة يريد بها أن يشبع ذاته غير المحترمة. فالإنسان الذي يحمل في داخله ذات المنقوصة وغير محترمة يريد أن يسد هذا النقص وأن يتخلص من هذا الشعور بعدم الاحترام، وكلما كان هذا النقص كبيرا والشعور بعدم الإحساس عميقا ازدادت حالة عدم التوازن عند هذا الإنسان، وتزداد بها فرص تحوله إلى إنسان مستبد وعنيف وانتهازي. ووجود مثل هذا الإنسان في المجتمع هو بلاء على نفسه ومعاناة ومحنة حقيقية لأسرته وكارثة على مجتمعه.
وفي هذه الحلقة نصل إلى الحديث عن الحرية وهي الركن الثالث في المربع الإنساني للتربية. ولا يمكن للإنسان أن يعيش إنسانيته إلا في إطار ما يملكه من حرية, والحرية التي نقصدها هنا هي أن يعيش الإنسان في إطار عبودية واحدة لا غير وهي عبودية الله ـ سبحانه وتعالى, فبهذا الشد وبهذه الجاذبية نحو الله ـ سبحانه وتعالى ـ وبهذه العبودية المنفردة لله يستطيع الإنسان أن ينفك من عبودية ذاته وما تنطوي عليه من هوى وشهوات ونزوات. فحرية الإنسان المتولدة من عبوديته لله ـ سبحانه وتعالى ـ تجعله على صلة وارتباط بالنور الإلهي, فحرية الإنسان هو أن يعيش في إطار هذا النور لأن خارج هذا النور هناك ظلمات والتي فيها الغلبة والسيطرة لقوى لا تريد الخير للإنسان. ولما كانت فطرة الإنسان هي محل استقبال هذا النور الإلهي وهي الموقع والنقطة التي يشع منها نور السماء لتستنير به النفس الإنسانية، فإننا لا نستطيع أن نحقق حرية الإنسان إلا عن طريق الفطرة الإنسانية وذلك من خلال تعزيز وتأكيد حضور هذه الفطرة الإنسانية في حياة الإنسان. فالحرية إذا هو أن يعيش الإنسان كإنسان وأن يعيش حياته في هدي فطرته المنفتحة على الله ـ سبحانه وتعالى.
فالتربية التي نتحرك بها في هذا المفهوم للحرية هي التربية التي نريد بها أن نصل بالإنسان إلى مقام ودرجة الكرامة التي تفضل بها الله ـ سبحانه وتعالى ـ على الإنسان, ''ولقد كرمنا بني آدم'', فالإنسان لا يمكن أن يعيش بكرامة من غير أن يعيش الحرية في ذاته وحياته. وقد يستعبد الإنسان نفسه أو يتيح للآخرين أن يستعبدوه وبذلك تنتقص من حريته, وهذا الأمر وهو استعباد الإنسان لنفسه واستعباد الآخرين له هو له ارتباط قوي بتربيته ومقدار ما كان يعيش من حرية في مراحل تكوين شخصيته, فالكرامة هي أمانة استودعتها السماء عند الإنسان، ولن يحافظ على هذه الأمانة إلا بمقدار ما يعيش هذا الإنسان من حرية.
أما كيف نجعل من التربية عملية تدور في فلك المحافظة على حرية الإنسان ليعيش بعزة وكرامة فهناك عدة محاور يجب أن تأخذ بها تربيتنا لأبنائنا, ومن هذه المحاور نذكر بعضها وبشكل مختصر:
1- التأكيد على مفهوم الاستقلالية, أن كرامة الإنسان مرتبطة بمقدار ما يشعر به هذا الإنسان من استقلالية وما يتمتع به من إحساس بالحرية في ممارسة حياته. هناك مع الأسف تربية تقوم على مبدأ استلاب حرية الإنسان واستقلاله, فعلاقة الأبوة أو الأمومة هي ليست علاقة سلطوية أو علاقة استحواذ على حياة الأبناء, وليست مكانة الأب والأم بالنسبة إلى الأبناء تعطيهم كامل الحرية للتصرف في حياة أبنائهم, فهؤلاء الأبناء هم أمانة عند الأبوين، وبمقدار ما للأبوين من حقوق على أبنائهم فإن للأبناء أيضا حقوقا على آبائهم وأمهاتهم. فتصحيح مفهوم الأبوة والأمومة بالشكل الذي يجعلنا نعدل من نظرتنا لأبنائنا على أن كل واحد منهم هو إنسان مستقل هو مطلب تربوي مهم، أما دورنا كمربين هو أن نحفظ لهؤلاء الأبناء كرامتهم من خلال تعزيز وجودهم واستقلالهم.
2- الأخلاق هي ليست قيودا وإنما هي ارتقاء بالإنسان وحفظ وصيانة لحريته وكرامته. هناك تقارب كبير بين تربية الإنسان وتعزيز الجانب الأخلاقي في شخصيته لا بل يرى البعض أن ما تهدف إليه التربية وما تسعى لتحقيقه هو أن يتخلق الإنسان بالأخلاق والصفات الحميدة. بلا شك أن التربية الحقة هي بناء للإنسان في إطار الفيض الإلهي وفي إطار ما يتصف به ـ سبحانه وتعالى ـ من صفات ربانية، ولكن هناك رؤية خاطئة للأخلاق، وهناك خلط بين الأخلاق والآداب والعادات والتقاليد الاجتماعية. فمجرد النظر إلى الأخلاق على أنها قيود هو خطأ تربوي في حد ذاته، فالإنسان عندما يتخلى عن خلق حسن هو لا يفك قيدا كان يحبسه ولا يهدم سورا كان يمنعه، بقدر ما هو نزول بإنسانيته وكرامته من مرتبة أعلى إلى مرتبة أدنى، ومن مقام أعلى إلى مقام أسفل منه. وكم هي الأشياء المعيبة والأشياء الممنوعة والمحظورات التي نثقل بها كاهل الطفل بحجة أنها من الفروضات الأخلاقية. وكم هي العادات الاجتماعية التي التزمنا بها وأخذت عندنا مكانا مهما في حياتنا، وهذه الأهمية جعلتنا ننظر لها على أنها من الأخلاق وصار فرضها والالتزام بها فعلا أخلاقيا. ليست هناك مشكلة أن تكون للعادات والتقاليد المكانة والتقدير في نهجنا التربوي، ولكن المشكلة هي عندما نخرجها من إطارها الخاص بها لنضعها في إطار الأخلاق، وهذا بقدر ما هو مساس بالأخلاق نفسها هو أيضا عملية تربك الإنسان، لأن هناك الكثير من هذه العادات ما قد تفقد حسنها ومنطقيتها مع اختلاف الزمان والمكان والبيئة الاجتماعية، وبالتالي يصبح الالتزام بها أمرا معوقا ربما لبناء الإنسان لشخصيته وتحديد مساراته.
3- أهمية بناء الخبرات الخاصة بالإنسان, أن الإنسان يتكئ في الكثير من أمور حياته على ما يختزنه من خبرة خاصة به في حياته. وبناء الإنسان لخبراته لا يتحقق إلا بمقدار ما يعيشه من حرية في ذاته. وبناء الخبرة لا بد لها من نفس مغامرة، وبالتالي فمن ضروريات التربية الحقة هي أن نعزز من روح المغامرة في نفوسهم, إن المغامرة في حد ذاتها هي ليست بالعمل الطائش أو المجنون، والفشل والخطأ وتكرار المحاولة هي كلها متطلبات لبناء شخصية الإنسان واكتساب الخبرة في الحياة. من الخطأ تربويا أن نميت عند الطفل حب المغامرة, فليس وجود الخطر في حدوده المقبولة مبررا لمنع الابن والبنت من التجربة والتعرف على طبيعة الحياة. هناك من يعتقد خطأ أن النصائح والمواعظ وذكر تجارب الآخرين تكفي الإنسان عن الدخول في ميدان التجربة والمغامرة, لكل إنسان الحق في أن يكتسب خبراته الخاصة به من غير التقليل من أهمية المواعظ والنصائح وخصوصا من أصحاب الخبرات العملية. ولكن ليست هذه المواعظ لمنع الإنسان من اكتساب خبرته بنفسه وإنما هي لتوسيع أفقه ومساعدته على دراسة خياراته لخوض غمار تجربته.
وأخيرا يمكن القول إنه إذا كانت التربية كما ذكرنا في تعريفنا لها بأنها عملية بناء للإنسان فإن عملية البناء هذه لا تتم والنفس مستعبدة ولا تعيش الحرية في وجودها. فالتربية أنيط بها أن تحفظ للإنسان كرامته وأن تجعل منه مدافعا وحافظا لكرامته، ولكن كيف لهذه الكرامة أن تحفظ وهو يعيش في داخل نفس مكبلة وروح مسجونة وعقل مقيد وفكر ميت وإرادة مشلولة ووجود خائف,..... وللحديث تتمة.