من سيربح المليون؟

فاز فيلم "المليونير المتشرد" الهندي بسبع جوائز أوسكار، وكان هذا الفوز علامة فارقة في تاريخ السينما العالمية، ودلالة على أن الجهود الهندية في اختراق أسوار السينما العالية التي بنتها هوليود تمضي في طريقها للنجاح. ولعل أحد معالم الفيلم الرئيسية التي ساهمت في خلق تميزه هو تصويره المكثف والمحايد لحياة الفقر في الهند بكل أنواع القسوة التي تكتنفها.
وفي مقابل الفقر، كان هناك الأمل الذي يكتنف الفقراء في مختلف أنحاء الهند، وهم يشاهدون واحدا منهم يتسلق سلم الثراء في برنامج "من سيربح المليون" والذي يمثل المحور المركزي للفيلم. ولعل أحد أسباب جمال هذا الفيلم أنه يلعب على الطبيعة الإنسانية التي تعشق القفز المفاجئ نحو الثراء، والانتقام من الفقر والمعاناة من خلال النهايات السعيدة التي تنتهي بالحصول على كثير من المال.
الطريف أن هذا الفيلم يأتي في سنة الأزمة المالية العالمية، التي ساهم فيها ولا شك نفس الدافع الإنساني الباحث عن الثراء حتى لو كان ذلك غير مضمون، ولكنه في النهاية الأمل الذي يعمي الإنسان عن كل الاحتمالات والظروف.
في التقرير السنوي الشامل الذي صدر حديثا عن وحدة التحليل الاقتصادي التابعة لجريدة "الإيكونومست" اعتبر الكاتب وهو أكبر خبراء الاقتصاد في العالم أن أحد أهم أسباب انهيار النظام المالي العالمي هو "البيع قصير الأجل"، وهو اقترح بقوة في كل أنحاء التقرير أن علاج الأزمة يكمن في منع البيع قصير الأجل. مثل هذا المنع سيساهم في عودة الأسواق المالية إلى مبدأها الأصلي الذي يقوم على بيع وشراء أسهم الشركات على أساس تحليل ربحي بحت لأداء هذه الشركات، وبحيث يكون هذا الأمر مختص بالمحترفين من رجال الأعمال ووسطاء الأسواق المالية.
ما حصل خلال السنوات الأخيرة أن الأسواق المالية حول العالم تحولت إلى مرتع لأولئك الذين يبحثون عن الثروة السريعة، وبينما كانت هناك قصص مبهرة لأناس حصلوا على الثروة فجأة وبنوا القصور وصاروا لاعبين أساسيين في السوق، فهناك ملايين القصص عن أناس خسروا كل ما لديهم وانقلبت حياتهم إلى أسوأ ما يمكن بسبب خسائرهم في السوق المالية.
هذه المشكلة لا تشمل السوق المالية فقط، بل تكاد تكون كل فرصة تجارية للثراء السريع هي نفسها فرصة للخسائر والانهيارات، وهذا يشمل صناديق الاستثمار العالمية، وبعض أسواق العقار (مثل سوق دبي)، ومختلف أشكال غسيل الأموال، والتجارة العابرة للبنوك.
لقد حرم القمار بأشكاله في الأصل لأنه يسمح لغريزة الإنسان الخفية المستعدة للتهور واللعب بكل الاحتمالات لأجل تحقيق حلم الثروة المفاجأة، وهذا التحريم موجود في كل الديانات، وموجود في قوانين معظم دول العالم التي تضع مختلف القيود على القمار لهذا السبب بالذات. بل إن هناك دراسات اجتماعية ميدانية في أمريكا وغيرها تريك بوضوح كيف دمر القمار اقتصاد مدينة أو قرية، ودمر حياة الناس عندما انتشر القمار بينهم.
البيع قصير الأجل Short Selling هو في النهاية نوع من أنواع القمار (حتى لو كان جائزا شرعا وقانونا) لأنه يلعب على نفس الدافع الإنساني، وخاصة عندما يساء استخدامه، وهو بذلك جدير بأن يستأصل تدريجيا من تركيبة الاقتصاد العالمي، والاقتصاد المحلي، وحياة الناس.
إن أسوأ نتائج انتشار فكرة الربح السريع في مجتمع ما هي في رأيي شعور الناس بأن العمل الجاد يوما بعد يوم لأجل تحصيل راتب شهري محدود يزداد تدريجيا يعتبر تضييع وقت، وتضيع لفرص الثراء، وهي تدفع الناس في النهاية للتقصير في حياتهم المهنية، وربما أيضا للإحباط النفسي لو شعروا بأن قطار الثراء يمر بجانبهم دون أن يستغلوه كما استغله الآخرون الذين يسمعون بقصصهم.
هذه العملية الإصلاحية تتطلب عملية إصلاحية أخرى، لأن التضييق على فكرة الربح السريع يجب أن تتواكب مع إحساس اجتماعي واسع بأن النظام العام يقدر من يعملون ويجتهدون ويحققون متطلبات النجاح وتسلق السلم المهني، ويجب أن تتواكب مع وجود وضوح للناس حول ما يتطلبه الأمر ليخرجوا من حالة الفقر إلى الغنى، ما دام الإنسان مستعدا للعمل الشاق وراغبا فيه.
هذا الوضوح الاجتماعي يبقى أحد مميزات المجتمعات الغربية، والتي لم تكتف بإيجاد البيئة التي تقدر الإنتاج والإبداع والجدية المهنية، بل هي أيضا مدت يد المساعدة من خلال أنظمة الضمان الاجتماعي التي تمنح الفقير الحياة الكريمة، وتساعد الإنسان عندما يخرج من عمله حتى يجد عملا آخر.
هذه الأنظمة مكلفة ماديا، وتضع ضغطا على ميزانيات الدول، وتعتبر من أكبر مجالات الإنفاق، ويدفع الناس ثمنها من خلال الضرائب المرتفعة، ولكن مهما كانت التكلفة فلن تكون قريبة بشكل من الأشكال من تكلفة انهيار اقتصادي تسبب فيه بحث الناس عن طريق الثراء السريع.
هذا هو "جوابي النهائي"!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي