تغييرات الساعات الأخيرة: ماكين هو الأقرب للفوز

drashwan59@yahoo .com

بعد أيام أربعة فقط ينهي الناخبون الأمريكيون تصويتهم لكي يعرفوا ومعهم العالم كله من الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية: المرشح الديمقراطي الشاب الأسود باراك أوباما أم الجمهوري الأبيض العجوز جون ماكين؟ وخلال الأسابيع الطويلة التي استغرقتها الحملة الانتخابية للرجلين سادت انطباعات واسعة سواء في الولايات المتحدة أو في مختلف دول العالم أن المرشح الديمقراطي الشاب هو الأكثر حظاً في الوصول إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، وهو الأمر الذي راحت استطلاعات الرأي كافة تؤكده بنسب مختلفة يوماً بعد آخر.
ومع ذلك ففي خلال أسبوع الأخير السابق على انتخابات الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) بدا واضحاً أن تغيرات مهمة راحت تطرأ على المزاج السياسي للناخب الأمريكي ظهرت نتائجها في استطلاعات الرأي العام التي راحت تظهر أن المسافة الواسعة بين أوباما الذي كان متقدماً بنحو 13 نقطة على ماكين قبل أسبوعين تتضاءل يوماً بعد آخر حتى وصلت قبل ستة أيام من إجراء الانتخابات إلى نحو خمس نقاط فقط. وخلال هذا التضاؤل المتتابع للفجوة بين المرشحين تأكد لكثير من المحللين والمهتمين بالانتخابات الأمريكية أن نتائجها لم تحسم بعد، بل إن ما ظهر من تعاطف ونتائج إيجابية لمصلحة أوباما في الاستطلاعات السابقة لا يعني بأي حال أن الأمور قد حسمت لمصلحته وأن فوزه ليس سوى مسألة وقت.
فهناك عديد من العوامل التي يمكن أن تظهر في الأيام الأخيرة قبل الانتخابات وفي الانتخابات نفسها من شأنها زيادة فرص المرشح الجمهوري ماكين إلى حد نجاحه في اقتناص المقعد الرئاسي الأمريكي. من بين هذه العوامل الأسلوب الذي يدير به فريق ماكين حملته الانتخابية في تلك اللحظات الأخيرة وبخاصة التكثيف في استخدام ما يسمى بالدعاية السلبية ضد خصمهم المرشح الديمقراطي فقد بدا واضحاً أن هذا النوع من الدعاية يؤتي ثماره ويفقد أوباما بعضاً من التأييد الذي كان يحظى به في استطلاعات الرأي العام السابقة. وقد فجر فريق ماكين عدة قضايا في هذا الإطار ساهمت ويمكن أن تساهم في خسارة أوباما عديدا من الأصوات في الأيام الأخيرة، كان منها إعادة نشر تصريحات له عام 2001 بدا فيها وكأنه يتحسر لفشل حركة الحقوق المدنية في الستينيات من القرن الماضي في تحقيق مساواة مالية بشكل أكبر بين الأمريكيين، وهو الأمر الذي صورته حملة ماكين ضده بأنه انحياز "اشتراكي" في بلد يتحسس مواطنوه كثيراً من هذا المصطلح ومعانيه الاقتصادية والسياسية. كذلك فجرت حملة ماكين السلبية ضد أوباما قبل أربعة أيام من الانتخابات قضية علاقته الحميمة مع الأستاذ الجامعي الأمريكي من أصل فلسطيني رشيد الخالدي الذي اتهموه بأنه كان متحدثاً رسمياً لمنظمة التحرير الفلسطينية في الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأمريكية تصنفها كمنظمة "إرهابية"، وهو اتهام يهدف بصوة خاصة إلى اجتذاب الأصوات اليهودية وتأييد جماعات الضغط الموالية لإسرائيل الهائلة القوة لمصلحة المرشح الجمهوري.
وإضافة لهذا الأسلوب السلبي في دعاية ماكين الانتخابية والذي يبدو فعلاً حتى الآن، فمن الوارد ألا يكون التقدم الذي حققه أوباما في استطلاعات الرأي حقيقياً وأن يتحول إلى تصويت واقعي لمصلحته في صناديق الانتخابات. فمن الوارد أن تكون نسبة من الذين أبدوا تعاطفهم مع المرشح الأسود في تلك الاستطلاعات قد فعلوا هذا نتيجة تخوفهم من أن يظهروا علانية كعنصريين أمام من يستطلعون رأيهم ويعرفون بالضرورة معلومات كافية عنهم، وهو الأمر الذي لا يتم بالطريقة نفسها في التصويت الواقعي. فعندما يدخل الناخبون الأمريكيون - كل بمفرده - وراء ستار لجنة الانتخاب، سيكون حراً تماماً من مثل تلك الضغوط المعنوية والنفسية وسيعطي صوته بلا أي نوع من الحرج أو التخوف، وهو الأمر الذي يمكن في ظله أن تظهر في التصويت المشاعر الحقيقية المخبوءة في المجتمع الأمريكي ضد أن يتولى رئاسة بلدهم مرشح أسود كان والده مسلماً ويتهم هو شخصياً بأنه يخفي إسلامه.
وفي هذا السياق من الوارد أن يزداد بُعد عدد من الناخبين الأمريكيين عن التصويت لأوباما داخل لجنة الانتخاب نظراً لجدة هذا الموقف عليهم، حيث هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يكون الخيار بين مرشحين أحدهما ينتمي للأقلية السوداء الأمريكية، وهو ما قد يدفع بهم إلى الانحياز للموقف التقليدي الذي اعتادوه وهو التصويت للمرشح الجمهوري الأبيض ماكين. ويبقى أخيراً دور عامل المبالغة في تقدم أوباما وتزايد فرصه في الفوز بالمقعد البيضاوي، حيث إن ذلك يولد عادة شعوراً بالارتياح بين مؤيديه بما قد يؤدي بقطاعات منهم إلى الاسترخاء بل والتراخي إلى حد عدم ذهابهم للتصويت لمصلحته اعتقاداً منهم بأنه قد نجح بالفعل وأن أصواتهم لن تزيد أو تنقص شيئاً من هذه النتيجة المؤكدة.
في كل الأحوال ما هو ظاهر بوضوح في الأيام والساعات الأخيرة لسباق الرئاسة الأمريكية هو أن شيئاً ما لم يحسم حتى اليوم، بل إن المرء يمكن أن يذهب إلى أبعد من ذلك ليتوقع أن تأتي نتائجها على خلاف كل ما أوضحته استطلاعات الرأي في أمريكا والعالم ورغبة الكثيرين في إحداث تغيير في البيت الأبيض يترتب عليه تغيير في السياسات الأمريكية، وأن تكون الفرصة أكثر ترجيحاً لمصلحة المرشح الجمهوري الأبيض العجوز جون ماكين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي