«عمران» يا ابن بيوت العالم كله .. ولا عزاء

تناهبت وكالات الأنباء والصحف والإذاعات والفضائيات والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي صورة الطفل السوري عمران دنقيش ذي الخمس سنوات وقد انتشلوه من تحت أنقاض بيته في حي القادرجي في حلب مشدوها متلجلج العينين ويداه تلتصقان بوجه مضرج بالدماء، ثم تمسحان بهما على الكرسي..
هكذا رأى العالم عمران .. فهو بدلا عن أن يكون وجهه مغطى برشقات من الآيسكريم أو بآثار الشيكولاتة أو حتى حبيبات الأرز.. وبدلا من أن تلاطف يداه الصغيرتان كجناحي فراشة ماء جدول رقراق أو نبعا باردا.. وبدلا عن أن تتهادى قدماه كقطاة على حشيش الحديقة.. وبدلا عن أن يرف جسده على أرجوحة كالغيمة.. تكالب أكلة لحوم البشر على طفولته ليسحقوها بهمجية تقشعر منها ضواري الغابات وسباع البراري.
وآه.. يا عمران ليس بوسعك أن تفهم.. فقد ولدت في زمن مسيج باللعنة، مفخخ بالقتلة والسفاحين الذين أحالوا بلدك محشرا ومسلخا لحرق الأجساد وفرمها بيتا بيتا، قرية قرية، مدينة مدينة .. طعامك دخان الحرائق وسموم الكيماوي ولا يطرق أذنيك سوى دوي الانفجارات للبراميل الشنيعة وقنابل النابالم وقذائف المدافع وصعقات الطائرات والصواريخ والانهيارات الكارثية للمدارس والمساجد والكنائس والأندية والبيوت.. فكيف بوسعك أن تفهم يا عمران؟ نحن يا سيدي أيضا.. لم نفهم ولن نفهم!
إنما.. عفوك يا عمران ..
يا ابن بيوت العالم كله .. ولا عزاء..
يا ابن بيوت العالم كله.. ولا تكفير
يا ابن بيوت العالم كله .. ولا مجير..
لا جمرات الدموع التي أحرقت المآقي .. ولا غصات العبرات كالنصال المسمومة في الصدور.. ولا فزع الكوابيس وهي تنتزع النائمين من مراقدهم.. فهذه وتلك وهاتيك ليست بقادرة على أن تدمل هول ما أحاق بك!
وحتما.. ليس بوسعك أن تفهم.. يا عمران وكيف لك أن تفهم؟ وقد ثابروا عن عمد وقصد على دمدمة أطنان حجارة بيتك وحديده وأسمنته على كتفيك النحيلتين.. صبوا عليك ويلات صناعاتهم وتقنياتهم الفاحشة من فرط حقدهم عليك ليطحنوك مثلما طحنوا قبلك جسد ابن جلدتك الطفل حمزة الخطيب بدم بارد، ومثلما مزق رصاص الصهاينة جسد الطفل الفلسطيني محمد الدرة ولم تشفع له صرخات أبيه، ومثلما لم يتورع سفاحو فيتنام عن إرداء طفلة سايجون: كين فان عارية .. بل قبلكم ومعكم وبعدكم أطفال وشيوخ وعجائز وفتيان وفتيات سورية والعراق وليبيا واليمن.. إلخ.. فكيف بوسعك أن تفهم.. أو قل كيف بوسعنا نحن أن تفهم؟
أدمنا التحليلات وكدنا ننتهي إلى أن العدو هو الصديق.. وأوغلنا في التفسيرات وكدنا نساوي بين الضحية والجلاد. وأمعنا بالتأويلات؟ فالتبس علينا الحليف بالمخيف كما نبشنا تاريخنا وتاريخ العالم.. واستهلكنا كل المحن والمصائب وكل غشامات الطغيان والاستبداد.. وألصقنا كل الأوصاف الدميمة الوضيعة فيما حدث ويحدث.. وأوشكنا إلى القول إننا الطاعن والطعين!
ولم نفهم ولن نفهم سوى شيء واحد هو.. أن سورية تتعرض لحرب إبادة.. لقهر أممي يديره ضمير متعفن يختزل العالم بكعكة مصالح يتقاسمها ممثلو الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، تحت سقف هيئة أمم تعصف باتحادها نفخة من ريح "فيتو" أحدهم.. غير أن براءتك الصارخة أمام عدسات الكاميرات فضحتهم.. تحدتهم.. قالت لهم: أنا عنقاء الرماد.. أنا عصفور السنونو وطائر الرعد وقيامة شعب لا يركع .. وبدا أننا فهمنا كما لم نفهم من قبل!
لكن.. حتى لو فهمنا يا عمران .. ماذا بعد؟ فقد كتب الشاعر الألماني برتولد بريخت قبل نحو 70 عاما قصيدة بعنوان "وصية إلى الأجيال الآتية" قال فيها:
"حقا.. إنني أعيش في زمن أسود
الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها
والحديث عن الأشجار.. يوشك أن يكون جريمة
والجبهة الصافية.. تفضح الخيانة
طعامي أكلته بين القتلة والسفاحين
واستبدلت بلدا ببلد..
أكثر مما استبدلت حذاء بحذاء
فيا أيها الأطفال الآتون بعدنا
أحبوا بعضكم بعضا
لأنا لم نستطع أن يحب بعضنا بعضا
وسامحونا!".
ويا للمفارقة السوداء يا عمران .. فالأجيال الذين كتب من أجلهم بريخت وصيته وكانوا أطفالا.. صار بعضهم عتاة بأنياب زرقاء وبشهية "دراكولا" للدم.. وما زال العالم مأتما كالحا وسرادق تأبين فادح .. وحدهما عيناك يا عمران كانتا تقولان بإصرار: هذا الليل آخره لنا!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي