المقايضات المرتبطة بتنظيم الذكاء الاصطناعي
"مشكلة الهيئات التنظيمية الأوروبية أنها تخاف بدرجة أكبر مما ينبغي من مخاطر الجانب السلبي". هكذا أخبرني رجل أعمال ألماني أخيرا، ثم أضاف: "في أي قطاع أعمال جديد ومُبدِع، تبالغ أوروبا في التنظيم فتخنق أي احتمال على الجانب الإيجابي". على النقيض من ذلك، كما زعم، يهتم الأمريكيون بدرجة أكبر بالاحتمالات على الجانب الإيجابي، فيتريثون في فرض الضوابط التنظيمية إلى أن يعرفوا مزيدا عن العواقب. وقال: "ليس من المستغرب أن يكون للولايات المتحدة حضور أكبر كثيرا في الصناعات الإبداعية".
الذكاء الاصطناعي مثال على ذلك. فقد استَنّ الاتحاد الأوروبي أول لائحة شاملة لتنظيم الذكاء الاصطناعي في العالم في أغسطس 2024، فوضع ضمانات ضد مخاطر مثل التمييز، والتضليل، وانتهاك الخصوصية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي قد تعرض حياة الإنسان للخطر أو تهدد الاستقرار الاجتماعي. كما يخصص القانون لأنظمة الذكاء الاصطناعي مستويات مختلفة من المخاطر، مع معالجات مختلفة لكل منها.
لكن أوروبا ليس لها وجود كبير في صناعة الذكاء الاصطناعي المزدهرة، خاصة إذا قورنت بالولايات المتحدة أو الصين. فالشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، مثل OpenAI، وAnthropic، وGoogle؛ ولا ترقى أي شركة أوروبية إلى المستوى المطلوب. ويبدو أن هذه الفجوة الصارخة تتحدث عن نفسها. في الوقت الراهن، تبدو خطة عمل الذكاء الاصطناعي التي وضعتها إدارة ترمب، التي تسعى إلى الحد من الروتين والتنظيم في مجال الذكاء الاصطناعي، وكأنها النهج الأفضل.
المشكلة في الطريقة الأوروبية هي أنها تثقل كاهل الشركات الناشئة بتكاليف الامتثال التنظيمي قبل أن تتضح إمكانات التكنولوجيا. من المؤكد أن روبوت الدردشة الآلي الذي ينشر الأكاذيب أو يميز ضد مجموعات عِرقية بعينها غير مستحب، لكن بعض التسامح مع مثل هذه الأخطاء ضروري في المراحل الأولى من تطوير أي نظام. بيئات الاختبار المعزولة قد تحد أيضا مما قد يحدث بشكل صحيح. فمن غير الممكن أن يتسنى للتجارب التي تُجرى على مجموعات صغيرة ومحدودة الاستفادة من تأثيرات الشبكة، حيث تصبح المنتجات أكثر قيمة كلما ازداد عدد الأشخاص الذين يستخدمونها. كما أنها تعجز عن الكشف عن الاختراقات غير المتوقعة التي قد تتأتى عندما يتبنى الأشخاص "الخطأ" أحد المنتجات (على سبيل المثال، دفعت المواد الإباحية على الإنترنت عجلة إبداعات مبكرة في تكنولوجيا الويب).
ما هي إذن التكاليف المترتبة على نهج عدم التدخل الأمريكي؟ الأمر الأكثر وضوحا هو أن النظام قد ينفجر بسبب المنتجات المارقة، كما حدث مع الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري الثانوي قبل الأزمة المالية العالمية في 2008. واليوم، يسمع المرء مخاوف مماثلة بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي وصناعة العملات الرقمية المشفرة (مع الإشارة إلى انهيار بورصة العملات الرقمية المشفرة FTX كإشارة تحذير مبكرة).
حتى لو أرادت الولايات المتحدة فرض مزيد من التنظيم، فهل تتمكن السلطات حقا من تحقيق هذه الغاية؟ الطريقة الأمريكية هي الانتظار حتى تصبح الصناعة كبيرة بالقدر الكافي لتكون ذات أهمية. لكن بحلول تلك المرحلة، تكون الصناعة نمت بالقدر الكافي من القوة الذي يسمح لها بتشكيل أي قواعد المقصود منها كبح جماحها. لنتأمل هنا العملات الرقمية المشفرة: لقد أثبتت هذه الصناعة التي تتدفق عليها الأموال، والمسلحة بجماعات الضغط، التي تركز بقوة على مصالحها، أنها بارعة في التأثير في السياسيين ــ والرأي العام ــ لصالحها.
والنتيجة على نحو ثابت لا يتغير تكون التنظيم المنقوص، حتى عندما تكون المخاطر التي تهدد عامة الناس صارخة.
على النقيض من ذلك، تتدخل أوروبا العازفة عن المجازفة في وقت مبكر، عندما يكون القطاع المبدع لا يزال صغيرا وصوته بالكاد مسموعا. في هذه المرحلة، تكون الشركات القائمة ــ البنوك المهددة بالعملات الرقمية على سبيل المثال ــ هي المهيمنة على المناقشة. فيدفع نفوذ هذه الشركات باتجاه الحذر المفرط والقواعد الخرقاء.
على الرغم من الحجة لصالح تحرك كل من الطرفين نحو الآخر، فمن الأهمية بمكان هنا أن نؤكد أن التنظيم لا يتوقف عند الحدود الوطنية.
في الواقع، قد يستفيد العالم من وجود نهجين مختلفين إلى حد ما. فمن الممكن أن تزدهر روبوتات الدردشة الآلية الأمريكية في بيئة غير منظمة نسبيا، حيث تمارس التجريب والتوسع بسرعة. لكن بمجرد سعيها إلى الوجود العالمي، ستصطدم بالمعايير الأكثر صرامة في أوروبا.
هذا هو السيناريو المثالي على أي حال. أما الواقع فمن المرجح أن يكون أكثر فوضوية. فقد تتسبب الشركات الأمريكية في إحداث ضرر عالمي قبل أن يلحق بها المنظمون الأوروبيون. وقد تستمر أوروبا في تثبيط الإبداع قبل أن يبدأ، تاركة العالم مع أقل القليل. لكن لعل الخطر الأكبر يتمثل في إقدام الهيئات التنظيمية على جانبي المحيط الأطلسي على تصدير قواعدها الخاصة، فيضطر الطرف الآخر إلى مجاراته. قد يكون من الأفضل للعالم أن يستمر المنظمون الأمريكيون والأوروبيون في النظر إلى الضوابط التنظيمية بشكل مختلف.
محافظ بنك الاحتياطي الهندي سابقا، وكبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي سابقا، أستاذ التمويل في كلية بوث لإدارة الأعمال في جامعة شيكاغو.
خاص بـ "الاقتصادية"
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2025.
www.project-syndicate.org