الاستثمار المؤسسي .. لتتحول الأفكار إلى منتجات وإيرادات

في خضم المشهد المتغير للاستثمار الجريء عالميًا، يبرز مصطلح رأس المال الاستثماري المؤسسي أو ما يعرف اصطلاحا بـ (Corporate venture capital ) كأحد أهم الأدوات التي تعيد رسم العلاقة بين الشركات الكبرى والشركات الناشئة. الفارق الجوهري هنا أن الغاية لم تعد مجرد البحث عن عوائد مالية، بل أصبحت مرتبطة بشكل أوثق بالبحث عن قيمة إستراتيجية، سواء عبر دخول أسواق جديدة أو الاستفادة من تقنيات واعدة.
تبرز أهمية هذا النمط بوصفه وسيلة تمكّن الشركات الكبرى من استكشاف تقنيات واعدة وفتح أسواق جديدة وتسريع النمو غير العضوي، مع الحفاظ على الانضباط الاستثماري ومتطلبات الحوكمة.
تؤكد اتجاهات السوق العالمية هذه التحولات. فبحسب تقديرات منشورة لشركة Arthur D. Little، فإن 77% من شركات Fortune 100 استثمرت في شركات ناشئة، وأن 52% منها أنشأت أذرعًا متخصصة للاستثمار المؤسسي، مع تركّز يقارب 60% من الصفقات في المراحل المبكرة، حيث تكون الجاذبية السعرية أعلى والأثر التحويلي يكون ملموسا بشكل أوضح.
وقد أثبتت بعض النماذج العالمية قدرة الاستثمار المؤسسي على خلق قيمة مضافة للطرفين. فعلى سبيل المثال، تُعد Toyota Ventures نموذجًا بارزًا؛ إذ استثمرت منذ عام 2018 في شركة Joby Aviation الأمريكية المتخصصة في الطيران الموجَّه، ثم ضخت مع مجموعة تويوتا نحو 894 مليون دولار بين عامي 2020 و2024، ما أثمر عن إطلاق أول تجربة لـ"التاكسي الطائر" في اليابان نهاية عام 2024. واللافت أن مجموعة عبداللطيف جميل السعودية كانت أحد المستثمرين في الشركة.
ولم تكن السعودية بعيدة عن هذا الحراك؛ إذ تقود مجموعة STC المشهد عبر صندوق STV بحجم بلغ 800 مليون دولار، وهو الأكبر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب تأسيس Tali Ventures العام الماضي لتعزيز استثماراتها في الشركات الناشئة بمختلف مراحلها.
وفي القطاع المصرفي، أطلق البنك العربي الوطني صندوق SEED بإدارة شركة العربي المالية في عام 2023، مركزًا على الاستثمار في شركات التقنيات المالية.
أما في قطاع الطاقة والصناعة، فقد عززت أرامكو السعودية حضورها العالمي عبر ذراعها الاستثمارية Aramco Ventures، بضخ استثمارات تجاوزت 7.5 مليار دولار، مستهدفة قطاعات خارج الطاقة مثل الذكاء الاصطناعي والتقنية المالية وغيرها. وإلى جانب ذلك، يبرز دور واعد فنتشرز، الذي يركز على دعم الاستثمارات في الشركات الناشئة داخل المملكة، بما يسهم في تعزيز بيئة الابتكار وريادة الأعمال محليًا.
ما يميز الاستثمار المؤسسي أنه يحقق معادلة مزدوجة: عوائد مالية، إضافة إلى خلق قيمة إستراتيجية. فالشركات الناشئة تحصل على التمويل وخبرة السوق، بينما تستفيد الشركات الكبرى من اختبار تقنيات جديدة أو دخول قطاعات غير تقليدية، بما يعزز نموها غير العضوي عبر شراكات تُبنى على نموذج . Joint Venture
لكن الأذرع المؤسسية تواجه تحديات معروفة، من أبرزها: تشتت الأطروحات الاستثمارية واتساع النطاق على حساب العمق، وفجوات التكامل بعد الاستثمار حين لا تُترجم الصفقات إلى مشاريع مشتركة داخل وحدات الأعمال، فضلًا عن اختلاف أفق الزمن بين احتياجات السوق والانضباط المالي، وارتفاع التقييمات في دورات السوق الصاعدة. غير أن هذه التحديات قابلة للمعالجة عبر تحديث دوري لأولويات القطاعات والتقنيات، وتصميم حوافز داخلية مرتبطة بمؤشرات أداء تقيس نجاح التكامل وأداء الشركة الناشئة.
وتشير الدراسات إلى أن نسبة نجاح الشركات الناشئة التي تستثمر فيها كيانات تمتلك ذراعًا للاستثمار المؤسسي، أعلى من تلك التي تستثمر فيها صناديق جريئة تقليدية.
لقد أصبح رأس المال الاستثماري المؤسسي اليوم ركيزة أساسية لدفع الابتكار؛ فهو لا يقتصر على توفير التمويل، بل يربط بين رأس المال والقدرة على التنفيذ، محوِّلًا الأفكار إلى منتجات وإيرادات تسهم في تعزيز النمو غير العضوي للشركات الكبرى، وفي الوقت ذاته تفتح مسارات غير مسبوقة أمام الشركات الناشئة للتوسع والنمو.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

 

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي