Author

الصراعات الجيوسياسية .. الخطر الأول

|

شهد العالم تزايدا في حدة الاضطرابات الجيوسياسية مع بداية العام الحالي، وتركزت بؤرة التوترات في الشرق الأوسط بدلا من أوروبا، كما تشهد غزة والسودان ومناطق أخرى في العالم صراعات معقدة وفي كل ذلك لا ننسى الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيرا أصبحت مخاطر البحر الأحمر تهدد بعودة الضغوط التضخمية في الصناعات كافة وعبر جميع الاقتصادات العالمية. الاضطرابات في ممر البحر تأخذ منعطفا نحو الأسوأ، ويمكن أن "تؤدي إلى اختناقات جديدة في سلسلة التوريد العالمية المتوترة بالفعل". ومن هذه الزاوية، فالسؤال المطروح والملح على أنه كيف تهدد هجمات الحوثي في البحر الأحمر الاقتصاد العالمي؟ البحر الأحمر وقناة السويس يلعبان دورا محوريا في سلسلة التوريد العالمية للنفط والغاز والأغذية والمنتجات المصنعة، إنها منطقة تمثل عصب التجارة العالمية، حيث تمر فيها نحو 40 في المائة من التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
في سوق النفط، يراقب المستثمرون هذه التطورات عن كثب، ولا سيما بعد الهجمات التي نفذتها القوات المشتركة بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضد ميليشيات الحوثيين في اليمن لتهديدهم المستمر لحركة الشحن الدولية في البحر الأحمر. فالإمدادات النفطية العالمية تمر أصلا بمرحلة تعد صعبة، وأسعار الطاقة بلغت حدودا عالية في الفترة الماضية، نتيجة تبعات الحرب الجارية في أوكرانيا. أي أن الحساسية تشمل المنطقة وسلاسل التوريد، فضلا عن الفترة الراهنة التي يمر بها العالم على صعيد التعافي المضطرب أساسا. ولهذا السبب تبرز حدة المخاطر الاقتصادية الناجمة عن الاضطرابات في البحر الأحمر، مع سلسلة من القرارات أقدمت عليها شركات الشحن العملاقة، بوقف ملاحتها عبر المنطقة، وتحويل مسارات حراكها عبر رأس الرجاء الصالح. الأمر الذي رفع أسعار السلع، بفعل زيادة تكاليف النقل ورسوم التأمين.
سلاسل التوريد تلقت الضربة الأكبر من خلال الهجمات الإرهابية التي يقوم بها الحوثيون، باستهداف أعمى لحركة التجارة عبر البحر الأحمر. وهذا لم يؤد فقط لرفع السلع الاستهلاكية العادية بما في ذلك الملابس والأغذية والأحذية ومواد تموينية رئيسة، وحتى الأجهزة الطبية وغيرها، بل دفع أسعار الطاقة للأعلى بما في ذلك النفط والغاز الطبيعي. ولأن الممر المائي يعد مسارا أساسيا للتجارة العالمية، فقد تجاوزت الأحداث الأخيرة الناجمة عن استهداف الحوثيين للسفن التجارية حدود المنطقة لتنتقل بصورة تلقائية إلى الساحة الدولية، مع ارتفاع أعباء الشحن والنقل والتوريد وغيرها، ما يرفع الضغوط على اقتصادات عشرات الدول المعنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بما يجري. هذه الأعباء ستعيد الضغوط بقوة هذه المرة على ساحة التضخم، الذي تراجع في الآونة الأخيرة، لكن ليس بالصورة المأمولة من جانب الحكومات حول العالم. وهنا يبرز الخوف من موجة تضخمية ربما ستكون أكثر عنفا من تلك التي انفجرت قبل عامين تقريبا.
المؤشرات تدل على مزيد من المخاطر في حال استمر الحوثيون في استهداف التجارة العالمية عبر هذا الممر الحيوي. فهناك ما يقرب من 20 في المائة من التجارة العالمية تمر عبر البحر الأحمر، وفيما يتعلق بقناة السويس هناك ما يزيد على 30 في المائة من تجارة الحاويات تمر عبرها، ما يرفع الضغوط على الحراك التجاري العالمي أكثر وبصورة أخطر. أمام هذه المعطيات، يتنظر العالم بخوف حقيقي من الأعمال الإرهابية التي تجري في البحر الأحمر، والتي أدت إلى هجمات عقابية من جانب عدد من الدول التي تسعى إلى حماية التجارة العالمية عبر هذا الممر. فهناك 8 في المائة من تجارة الحبوب تمر بهذه المنطقة، و12 في المائة من النفط المنقول بحرا، فضلا عن 8 في المائة من الغاز الطبيعي في العالم. ووفق تقديرات الحكومة البريطانية، فإن أسعار النفط الخام قد ترتفع عشرة دولارات للبرميل، و25 في المائة للغاز الطبيعي.
لا يمكن للاقتصاد العالمي أن يستقر بصورة مقبولة، إذا ما استمرت الصراعات الجيوسياسية الراهنة وامتددت رقعتها، التي استعرت خلال الأعوام القليلة الماضية. فـ"العولمة" التي صبغت العالم على مدى أكثر من عقدين من الزمن، حققت قفزات مهمة من منطلق اقتصادي، لكنها ومنذ أعوام قليلة تحولت إلى مفاهيم سياسية أكثر منها اقتصادية، ما يؤكد حقيقة أن الصراعات الراهنة تواصل تهديداتها لاستقرار الاقتصاد العالمي. ويبقى الخطر الأول هو الصراعات الجيوسياسية المتفاقمة. ويبدو واضحا أنها لن تنتهي بسهولة. كل هذا سيؤدي حتما لتراجع النمو في قطاع التجارة العالمية، في وقت لا توجد فيه أي مؤشرات عملية لإزاحة الغيوم التي تلبد سماء العالم أجمع.

إنشرها