Author

الأفكار الإبداعية لاستقلالية الاقتصاد وتطوير المنتجات

|

*أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية

أصبح الابتكار في عصرنا الرقمي محركا للتطور والتقدم في مختلف المجالات، ويلعب دورا مهما في تعزيز الاقتصاد وزيادة الإنتاجية، ويعزز من القدرة على تلبية الاحتياجات المتغيرة للمجتمع، ويسهم في تحسين جودة الحياة. وقد تحدثت عن مفهومه، وماذا يعني في مقال سابق، كما أوضحت أهميته والحاجة الماسة والشديدة إليه، وأهمية نمائه، وضرورة دعم برامجه وتطوير وتنوع طرق تعليمه، وأن هناك ضرورة لوجود استراتيجية لتوسعة مراحله، ابتداء من الفكرة ومحاكاتها واختبارها ومن ثم إلى تطويرها وإنتاجها، وأن العالم قد أدرك أهميته، وأن ذلك أصبح واقعا ملموسا من خلال السياسات الداعمة لتحقيقه والأهداف المنشودة من وجوده، وذكرت لذلك عديدا من الامثلة. وفي هذا المقال، سأحاول التركيز على فهم دور الابتكار كعامل رئيس في تحقيق مفهوم الاستقلالية والتميز على جميع المستويات سواء كانت تنموية أو اقتصادية أو دفاعية وتحقيق استدامتها.
يعد دور الابتكار في تحقيق التميز والاستقلالية دورا محوريا، حيث يتم من خلاله عمليات توليد الأفكار الإبداعية الجديدة وتنفيذها وإنتاجها بطريقة منفردة ومميزة ومفيدة حسب مجالات تلك الافكار والإبداعات، وتكون غير مقيدة بأطراف أخرى تلعب دورا أساسيا فيها، ولذا عند امتلاك أحقية هذه الابتكارات، تصبح عناصر أساسية في تحقيق التميز والاستقلالية في مختلف تلك المجالات، بما في ذلك على سبيل المثال، التميز والاستقلال في الاقتصاد، حيث يمكن للابتكار أن يؤدي إلى تطوير منتجات وخدمات جديدة، وتحسين منتجات وخدمات حالية، ما يعزز الاقتصاد ويوجد فرص عمل جديدة، كذلك من الأمثلة ما يحققه الابتكار من التميز والاستقلال السياسي والدفاعي والأمني، فمن خلال الابتكارات النوعية المميزة التي تقود إلى تطوير تقنيات ومنتجات جديدة تجعل من الدول التي تمتلكها أقل اعتمادا على غيرها من الدول الأخرى وتنفرد بها ذاتيا، وبالتالي يقوي ويعزز من قوتها الدفاعية وأمنها بشكل عام، كذلك يمكن أن يلعب الابتكار دورا كبيرا في تحقيق التميز والاستقلالية الثقافية من خلال تطوير تقنيات ومنتجات جديدة تسمح بالتعبير عن الثقافة والقيم بشكل عام، وغير ذلك الكثير في مجالات الصناعة والتصنيع وفي الصحة والتعليم وغيرها.
هناك أمثلة دولية يبرز من خلالها دور الابتكار ويظهر جليا في تحقيق استقلاليات وتميز كثير من تلك الدول، نذكر من ذلك على سبيل المثال، سويسرا، فهي تتميز بكونها من أغنى دول العالم وتنفرد بمستوى دخل الأفراد فيها، حيث يعد الأعلى عالميا، وذلك يعتمد على تميزها بتطوير الصناعات المتنوعة والمتجددة لديها، حيث يعد التصنيع إحدى ركائزها الاقتصادية، ويشكل ذلك أكثر من 40 في المائة من قيمة إجمالي الصادرات المحلية لديها، كل ذلك يسهم في تحقيق استقلاليتها وتميزها وتفردها بين دول العالم، كونها أصبحت رائدة في مجال الابتكار في قطاع الخدمات المالية، وحاليا هي تتصدر قائمة الترتيب في مستويات الابتكار وريادة الأعمال والتجديد والتطوير على مستوى دول العالم، وذلك حسب تصنيف مؤشر الابتكار العالمي Global Innovation Index: GII، الذي تصدره المنظمة العالمية للملكية الفكرية World Intellectual Property Organization: WIPO، ومن الأمثلة الدولية أيضا، الولايات المتحدة، حيث تعد من الدول الرائدة في مجال الابتكار، كونها تتميز بتفردها بامتلاكها قوى اقتصادية وعسكرية متنوعة وضخمة قائمة على التكنولوجيا والبحث والتطوير والابتكار، ومن تلك الدول أيضا دولة الصين حيث تستثمر بشكل كبير في البحث والتطوير والابتكار، ما مكنها وجعل منها دولة تعد منافسا قويا جدا في هذا المجال، بل جعل لها دورا بارزا ومؤثرا ومميزا في الاقتصاد العالمي. ومن الأمثلة ايضا، ما حققته دولة فنلندا من تفرد وتميز في مجال التطبيقات الذكية التكنولوجية لأجهزة المحمول، جعل منها دولة ذات سيادة وأسبقية بين مثيلاتها من الدول، والأمثلة كثيرة في هذا السياق، مثل: كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها، وجميع هذه الدول استطاعت تحقيق التميز والاستقلالية في كثير من المجالات المتعددة من خلال الاهتمام بالابتكارات ونوعيتها المبنية على خطط واستراتيجيات واضحة ومقننة، والاهتمام والتركيز على العوامل الداعمة لذلك.
وهناك عديد من العوامل التي تدعم دور الابتكار في طريق تحقيق التميز والاستقلالية، ومن أبرز هذه العوامل: إيجاد بيئة تنظيمية للاستثمار في البحث لتطوير منتجات وخدمات جديدة، والاستثمار في التعليم والبحوث والتطوير، وتشجيع التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية الخارجية، حيث إن ذلك يسهم في تطوير قدرات الابتكار لدى الأفراد والمجتمعات، كذلك تعزيز الفكر الإبداعي والمرونة في عمليات اتخاذ القرارات، وتوفير البيئة الداعمة، مثل قوانين الملكية الفكرية، والدعم المالي، وتخصيص موارد كافية لدعم الأفكار والمشاريع الجديدة، الأمر الذي يسهم في تشجيع الابتكار وتطويره. ومن العوامل أيضا التنوع الثقافي والمجتمعي، وتوفير منصات لتبادل الأفكار والتعاون بين المبتكرين وريادي الأعمال، حيث سيسهم ذلك في إثراء الإبداع وزيادة فرص الابتكار، كل تلك العوامل تلعب دورا حاسما في دعم الابتكار، وتحقيق التميز والاستقلالية.
وأرى أن بناء رأس المال البشري، وتطوير تعليمه بمراحله المختلفة، وتوفير التدريب والتطوير لزيادة مهاراته وتعزيز إمكاناته الإبداعية وتشجيع ثقافته الريادية والابتكارية، والعمل على توجيه ذلك في مجالات حقيقية سيعود بالفائدة والنفع وتحقيق التميز والاستقلالية واستدامتها.

إنشرها