Author

التضخم والأجور والتأثير المتبادل

|

على الرغم من توسع نطاق حماية الأجور حول العالم، عبر اتفاقيات أو تفاهمات، إلا أن ربط الأجور بمستويات التضخم بات ضعيفا خلال الأعوام الماضية. وهذا الربط الذي يخفف الضغوط على المستهلك العامل، يوفر أساسا للمشرفين على السياسة المالية في هذا البلد أو ذاك، من أجل التوصل إلى نتائج تصب في النهاية في مصلحة الاقتصاد الكلي. إنها عملية لا تتعلق بالحقوق العمالية فقط، لكنها تعد بمنزلة مؤشر لمسار الاقتصاد خصوصا من جهة التضخم سواء سلبا أم إيجابا. وهذا الأخير وصل الآن إلى مستويات مرتفعة للغاية، لم يسبق لها مثيل منذ العقد السابع من القرن الماضي. حتى إن بعض الاقتصادات بدأ يعاني تضخما بأرقام عشرية، وتنتظر أخرى أن تصل إلى هذه المستويات بحلول العام المقبل على أبعد تقدير.
اللافت في الأمر، أن البنوك المركزية برمتها، لا تحبذ هذا الربط بين الأجور ومعدلات التضخم الحاصلة أو تلك التي ستسجل في مرحلة لاحقة. وهي ترى أن المقايسة، في هذين الطرفين، تجعل تغيير التضخم أمرا صعبا. وذهب بنك التسويات الدولية الذي يعد "بنك البنوك المركزية" أبعد من ذلك، بتأكيده أن القرارات لن تكون صائبة وناجحة، إذا ما تم تضمين التضخم في الحسبان. ومع ذلك تعتقد الحكومات في عدد من الدول المتقدمة، أنه لا بد من تكريس ربط الأجور بالتضخم، لأسباب عديدة، في مقدمتها تخفيف الأعباء عن كاهل الموظفين والعمال، وهذا في الواقع ما يوفر قوة دفع شعبية لهذه الحكومة أو تلك، خصوصا إذا ما كان الاقتصاد المحلي يمر بفترات صعبة، كالفترة الحالية، التي قلبت كثيرا من الموازين ولا تزال.
غير أن الجانب الذي يخيف البنوك المركزية، أن عملية الربط المشار إليها تتم عبر اتفاقيات عمالية تقوم على إجراءات قانونية معينة، خصوصا تلك التي بدأ بعض الدول اعتمادها في هذا الوقت بالذات، ستزيد الضغوط على المشرعين الاقتصاديين في مسألة مواجهة التضخم. لماذا؟ لأن السيطرة على ارتفاع تكاليف العيش ستكون صعبة، وستزيد معها بالطبع الضغوط من أجل زيادة الأجور. وهنا توصف بأنها نقطة معقدة. فهي مسألة تشمل البنوك المركزية وحراكها للسيطرة على التضخم، والحكومة الساعية إلى مزيد من التأييد الشعبي، والعمال والموظفين الذين يريدون أعباء أقل على كاهلهم. فما يعد جيدا بالنسبة إلى العمال من عملية الربط، ليس كذلك بالنسبة إلى الاقتصاد المحلي الذي يعاني أصلا موجة تضخمية متصاعدة. والحل الوحيد الذي تتبعه البنوك المركزية حاليا، ليس إلا رفع الفائدة، الأمر الذي يؤثر بالطبع في النمو الاقتصادي عموما.
لا توجد جهة مالية مشرعة تؤيد هذه المسألة المشار إليها. فحتى البنك المركزي الأوروبي الذي يطرح المسألة في كل اجتماعاته الدورية، طلب من الدول المنضوية تحت لواء اليورو التوقف عن هذه السياسة. فهناك خمس دول على الأقل في هذه المنطقة تلتزم بهذا التوجه، في حين علقت لوكسمبورج زيادة الأجور المستحقة، على اعتبار أن لديها قانونها الخاص، ومنحت العمال مبالغ ائتمانية ضريبية. في كل الأحوال، لن تكون هذه القضية سهلة الحل. هناك دول خاضعة بالفعل لنفوذ نقابات العمال، أو الأحزاب المؤيدة لربط الأجور بمستويات التضخم الآنية والمستقبلية.
أخيرا تبقى المعضلة حاضرة أمام البنوك المركزية الساعية إلى كبح جماح التضخم عن طريق رفع الفائدة، لكنها ترغب في الوقت نفسه في أدوات مساعدة لها، وفي مقدمتها تجميد المقايسة على الأقل في الوقت الراهن.

إنشرها