Author

كيف تحول اللاجئون من ظاهرة إنسانية إلى سلاح سياسي؟

|
ما يحدث على الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي من تدفق للاجئين بحثا عن مأوى ستكون له تبعات على مستقبل اللجوء الإنساني.
واللجوء إن كان داخليا، أي: ضمن نطاق البلد نفسه، أو شد الترحال صوب دول أخرى، ظاهرة رافقت البشرية منذ القدم، إلا أنها استفحلت في العصر الحديث.
وما يقع على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا ليس إطلاقا حدثا عابرا أو مشكلة حدودية. إنه بمنزلة المعركة التي ستحدد مستقبل اللجوء والنظرة إلى اللاجئين في الغرب.
البحث عن مأوى في دول الرخاء والطمأنينة هربا من دول أو مناطق يكتنفها الفقر وفقدان الأمن صار هدفا لعشرات الملايين من الناس الذين شردتهم الأحوال في دولهم.
وأغلب دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال تنعم برخاء يسيل له لعاب الفقراء والمضطهدين في دول نامية خصوصا في دول ضاقت بشعوبها سبل العيش الكريم.
والمرء يتصور لأول وهلة أن دول الرفاهية التي تتبجح كثيرا بالحرية والديمقراطية وبعدها الإنساني ستهرع لإيواء المستضعفين والفقراء والعزل من اللاجئين الذين يستنجدون بها.
لم يخطر ببال هؤلاء المساكين أن المجتمعات الغربية تمر في مخاض كبير من نتائجه بروز أحزاب ومجموعات يمينية متطرفة كارهة للدخيل والأجنبي، لا بل أحيانا كل من يختلف عنها نهجا حتى من أبناء وبنات جلدتها.
وصار اللجوء واللاجئون جزءا من السياسة وأحيانا كثيرة سلاحا لكسب الأصوات في الانتخابات وتعزير الشعبية والتأثير في صفوف شعوب هذه الدول.
ويبدو أنه كلما زاد السياسيون وأحزابهم هجومهم وتطرفهم عند تعلق الأمر باللاجئين، تعززت مكانتهم في المجتمع، وهذا أمر يؤسف له حقا، لأن معاداة اللاجئين صارت طريقا لكسب الأصوات والمقاعد في الهيئات التشريعية حتى القضائية (وهذا أمر مقلق للغاية).
حتى الآن هناك تقارير موثوقة أن الجيش والشرطة البولندية قتلت على الأقل، عشرة من اللاجئين على حدودها مع بيلاروسيا بينهم أطفال.
وتتحدث التقارير أن عددا غير محدد قضى نحبه من البرد القارس ليلا حيث تنخفض درجات الحرارة إلى 20 درجة تحت الصفر في العراء، الذي ما هو إلا مستنقعات صارت بمنزلة المأوى لهؤلاء الناس الذين لا حول ولا قوة لهم.
ورغم القسوة المفرطة للجيش والشرطة البولندية في تعاملهما مع اللاجئين، فإن دول الاتحاد الأوروبي ومعها بريطانيا لم تنبس حت الآن ببنت شفة انتقادا وإدانة لهذه الممارسات غير الإنسانية.
لبلاروسيا دور في المأساة، لكن الدولة هذه بالنسبة للغرب ترقى إلى دولة مارقة تحكمها الديكتاتورية، حسب وجهة نظرهم.
يتوقع الحكماء من الناس أن تضغط الدول الغربية مثل ألمانيا وفرنسا والنمسا وهولندا وبريطانيا والدول الإسكندنافية على بولندا للرفق باللاجئين وإيجاد حل لمأساتهم.
لكن مع الأسف الشديد، هناك تواطؤ مع بولندا، لأنها في نظرهم تمثل جدارا عصيا أمام اللاجئين الذين يؤمون وجوههم صوب الغرب "الرحيم"، على ما طرق سمعهم.وقد كان لتقارير أن الجيش البولندي تسانده مجموعات يمينة متطرفة في حملته لمواجهة اللاجئين وعدم السماح لهم بعبور الحدود وقع الصاعقة، لأنه يظهر أن الغرب صار يبتعد علانية عن تقديم نموذج إنساني سليم عند التعامل مع الآخر.
ليس هذا فقط، بل تم فرض حالة الطوارئ وتجريم أي من المواطنين البولنديين ظهر أنه قدم أي مساعدة كانت لهؤلاء اللاجئين.
حتى ألمانيا، التي يبدو أنها المكان الذي يرغب هؤلاء اللاجئون في الوصول إليها، أعربت عن تضامنها الكامل مع بولندا وأبدت استعدادا، ومعها فرنسا وبريطانيا، لإرسال الجند لحماية الحدود البولندية والمساعدة على بناء جدار تصل تكاليفه مئات الملايين من الدولارات.
الأزمة على الحدود البولندية والبيلاروسية مثال صارخ لما يحدث عندما يتم توظيف اللاجئين سلاحا. التخبط وعلو شأن اليمين المتطرف، وانحسار اليسار ومهادنته الواضحة لليمين أو تبني سياساته من أجل الكسب السياسي والصفقات مع دول العبور كلها أدت إلى أن يواجه اللاجئون كل هذا العداء الصارخ.
الغرب مستعد لعمل أي شيء من أجل منع اللاجئين من الوصول إلى دياره حتى إن تضمن الإجراء انتهاكا صريحا لأبسط الحقوق الإنسانية أو ازدواجية تطفح بالنفاق.
وتركز الصحافة الغربية الليبرالية كثيرا على الاتفاق الذي عقدته الدول الغربية مع تركيا عام 2016 الذي بموجبه قدمت تنازلات كبيرة لأنقرة منها غض الطرف عن الانتهاكات التركية لحقوق الإنسان وتقديم دعم مالي لها بمليارات الدولارات شريطة أن تسد حدودها أمام اللاجئين في أراضيها من الراغبين في الوصول إلى اليونان ومنها إلى غرب أوروبا.
لم يعد هناك مكان للقانون الدولي حول حق اللجوء الإنساني، وصار اليوم في إمكان أي سياسي أو دولة أو حكومة استخدام ورقة اللاجئين للكسب السياسي والمالي.
لقد صار ظهور اللاجئين بالقرب من حدود دول الثراء والرخاء والديمقراطية والحرية في الغرب في البر والبحر بمنزلة إعلان حرب.
لقد نشرت بولندا وحدها من العساكر أكثر من 20 ألفا من الجند والشرطة المدججة بالسلاح، تساندهم ميليشيات يمنية متطرفة وأعداد من الجند من دول أخرى مثل بريطانيا، كل هذا لمواجهة بضعة آلاف من اللاجئين المتروكين في العراء ينهش أجسادهم البرد القارس.
إنشرها