Author

الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة

|

عقدت فعاليات المنتدى السعودي الأول للثورة الصناعية الرابعة، الذي نظمته مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي، بحضور نخبة من المتحدثين المحليين والدوليين. وناقش المنتدى تأثير التقنيات الناشئة في مستقبل النقل، وبناء أنظمة الرعاية الصحية القادرة على الصمود في وجه الأزمات، وتحولات الطاقة النظيفة، وبناء المدن الذكية في المستقبل، واستعادة النظام البيئي، ومستقبل التمويل.
وعقد هذا المنتدى في إطار سعي المملكة إلى أن تكون وجهة للملتقيات العلمية المهمة على مستوى العالم، ذات الاهتمام بالتحولات التي يشهدها العالم لتكون لاعبا رئيسا فيها، وتعظم من الاستفادة منها في ظل المنافسة بين الدول المتقدمة كي تستأثر بأعلى الفرص التي يمكن أن تجعل منها متفوقة على غيرها من الدول. ويأتي الذكاء الاصطناعي ليكون أحد أهم الموضوعات الأهم اليوم للعالم باعتبار أن الدول المتقدمة في هذا المجال ستكون الفرص لديها أكبر للتفوق عالميا. ونلاحظ اليوم السباق العالمي في هذا المجال، خصوصا في الدول المتقدمة، والدول الأضخم اقتصاديا، مثل الولايات المتحدة والصين، والمنافسة بينها باعتبار أن من يتفوق في مجال الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون له ميزة نسبية لتحقيق الريادة عالميا في المجالات المختلفة، سواء العلمية أو الصحية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الصناعية.
الذكاء الاصطناعي اليوم يمكن أن يحسن حياة الإنسان في مجالات متنوعة، ولقد ركز المنتدى على مجالات محددة لها علاقة بمستقبل الإنسان فيما يتعلق بالنقل والصحة والبيئة والمدن الذكية، حيث إن الذكاء الاصطناعي وسيلة لتقديم الحلول لمصلحة الإنسان، ومن ميزاته أنه يؤسس لقاعدة بيانات دقيقة بما يساعد على اتخاذ القرار، كما أنه لديه دقة عالية في تنفيذ مجموعة من المهام التي يمكن أن تنفذها على مستوى عال من الجودة والكفاءة، وهو يستخدم حاليا في القطاع الصناعي للتخفيف من الاعتماد بصورة أكبر على القوى العاملة وتنفيذ المهام الصعبة بدقة عالية، إضافة إلى العمل فترات أطول من الإنسان، وبما يخفض من التكلفة للإنتاج.
التحولات الصناعية كان لها أثر في تخفيض التكلفة، فلو تخيلنا أن الثورة الصناعية لم تكن موجودة لتطلب صناعة أصغر جهاز أو آلة أو مجموعة من القطع التي نستخدمها، وقت طويل جدا، وبالتالي تكلفة عالية، ما يجعلها لا تتوافر لكثير من الناس حول العالم، لكن مع وجود الآلة الآن نجد أن كثيرا من الناس أو معظمهم يتمتعون بالحصول على أجهزة كثيرة بتكلفة رخيصة مقارنة بأسعارها فيما لو كانت تتم يدويا، والذكاء الاصطناعي قد يمكن كثيرا منهم من الحصول على احتياجاتهم بتكلفة أقل وبكفاءة عالية، كما أن الخدمة يمكن أن تقدم في أوقات مناسبة للحصول عليها.
لكن التحدي الذي يقلق الإنسان اليوم، هل سيكون لهذه الثورة في قطاع الذكاء الاصطناعي أثر في الاستغناء عن الإنسان، وبالتالي سنجد البطالة تتزايد حول العالم، وتمثل مشكلة، بل كارثة لكثير ممن يعتمدون أسلوب العمل التقليدي؟ هنا لا بد من النظر إلى الأمر من أكثر من زاوية، وهو ما يجعل الإنسان يفكر كيف يتكيف مع التحول الجديد بدلا من التفكير في الجزء المظلم منه، مع العلم أنه مع الثورة الصناعية بوجود الآلة التي حلت محل أعداد هائلة من البشر، وجد الإنسان فرص عمل أكثر راحة وأقل خطرا من ذي قبل، وجعل الآلة هي من يتحمل تلك المخاطر، كما أن هذا توجه للعالم عموما، فالصين التي تحتضن أعداد السكان الأكبر حول العالم هي من يتبنى هذا التوجه، ومتقدمة بشكل كبير فيه، وبالتالي لا يوجد لدى أصحاب القرار مناص من هذا الاختيار لاستمرار النمو الاقتصادي الذي يعود في نهاية الأمر على مصلحة مواطنيها، فهو توجه عام كل من يتخلف عنه يمكن أن يتجاوزه العالم، وتتناقص حصته من حجم الاقتصاد العالمي، كما أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي قد تلغي بعض الوظائف، لكن يمكن أن تنشأ وظائف جديدة في كل المجالات، وهنا تأتي أهمية أن يكون لصاحب القرار مبادرات لتعزيز فرص بناء المهارات لدى القوى العاملة الوطنية، خصوصا أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز من فرص وجود وظائف عابرة للحدود، وبالتالي قد تحصل هذه القوى على فرص عمل من منازلها في أي مكان حول العالم.
فالخلاصة أن الذكاء الاصطناعي هو، اتجاه عالمي، التقاعس عنه قد يؤدي إلى تقلص حصة الدول اقتصاديا في ظل التوجه العالمي له في مختلف المجالات، وهنا تأتي أهمية العمل على بناء القدرات والمراكز القادرة على الابتكار في هذا المجال، إذ إن الدول المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي ستكون لها حصة الأسد من حجم النشاط الاقتصادي العالمي.

إنشرها