صياغة شاملة لقواعد الاقتصاد «1من 3»

|
كشفت الجائحة النقاب عن الانقسامات العميقة، لكن الفرصة لا تزال سانحة لتغيير المسار، وهناك فروق ملحوظة في أنحاء العالم في طريقة التعامل مع الجائحة، من حيث مدى نجاح الدول في الحفاظ على صحة مواطنيها واقتصاداتها وفي حجم ما بدا من عدم المساواة. وتكمن وراء هذه الفروق أسباب كثيرة: حالة الرعاية الصحية التي كانت موجودة مسبقا وعدم مساواة النظم الصحية، ومدى استعداد البلد وصلابة اقتصاده، وجودة الاستجابة العامة. نحن بحاجة إلى إعادة صياغة شاملة لقواعد الاقتصاد على العلم والخبرة، وثقة المواطنين بتوجيهات الحكومة الفردية بفعل حرياتهم.
وكيف وازن المواطنون بين ما يحلو لهم مقابل حرية الآخرين، مدركين أن أفعالهم قد ولدت مؤثرات خارجية.
وسيقضي الباحثون أعواما يحاولون تفسير قوة الآثار المختلفة.
ويمكننا مع ذلك استخلاص دروس محتملة من تجارب اثنتين من الدول. فإذا كانت الولايات المتحدة تمثل إحدى الحالات المتطرفة، ربما كانت نيوزيلندا هي الطرف النقيض. فحكومة هذا البلد أثبتت كفاءتها في الاعتماد على العلم والخبرة في اتخاذ قراراتها، بلد لديه مستوى عال من التضامن الاجتماعي، إذ يدرك المواطنون أن سلوكهم يؤثر في الآخرين.
ومن الثقة، بما فيها الثقة بالحكومة، تمكنت نيوزيلندا من السيطرة على المرض، وتعمل حاليا على إعادة توزيع بعض الموارد غير المستخدمة بالقدر الكافي لبناء نوع الاقتصاد الذي ينبغي أن يسود عالم ما بعد الجائحة: اقتصاد أكثر اخضرارا ويبنى على المعرفة بشكل أكبر، وعلى قدر أكبر من المساواة والثقة والتضامن. وهناك ديناميكية طبيعية فعالة. فهذه السمات الإيجابية يمكن أن تبني على بعضها بعضا. وبالمثل، يمكن أن تكون هناك سمات معاكسة مدمرة ترهق المجتمع، وتفضي إلى تقلص الاحتواء وزيادة الاستقطاب.
ولسوء الحظ، وبقدر السوء الذي كان عليه عدم المساواة قبل الجائحة، وبقدر قوة الجائحة في كشف أوجه عدم المساواة في مجتمعنا، فإن عدم المساواة في عالم ما بعد الجائحة يمكن أن يكون أكبر من ذلك ما لم تتخذ الحكومات إجراءات حيالها. والسبب بسيط: ففيروس كوفيد - 19 لن ينتهي بسهولة. وستظل هناك مخاوف من ظهور جائحة أخرى. وهناك الآن احتمالات أكبر أن القطاعين العام والخاص سيتضرران من هذه المخاطر بشدة. الأمر الذي يعني النظر إلى أنشطة معينة وسلع وخدمات معينة وعمليات إنتاج معينة باعتبارها تنطوي على مخاطر أكبر وتكاليف أعلى. وبينما الروبوتات تصاب بفيروسات، فالتعامل مع فيروساتها أسهل بكثير. لذلك فمن المحتمل أن تحل الروبوتات محل الإنسان، بصورة هامشية على أقل تقدير. والتواصل عبر "زووم" سيحل محل السفر بالطائرة، بصورة هامشية على الأقل. وتزيد الجائحة من تهديد الأتمتة للعاملين في المجالات التي تحتاج إلى مهارات محدودة، وفي الخدمات التي تتطلب التفاعل وجها لوجه ممن ترى الدراسات إلى الآن أنهم أقل تأثرا، كالعاملين في مجالي التعليم والصحة، على سبيل المثال. وسيعني ذلك كله انخفاض الطلب على أنواع معينة من العمل. وسيؤدي هذا التحول، بصورة شبه مؤكدة، إلى زيادة عدم المساواة، فيعجل الاتجاهات الموجودة بالفعل بطريقة أو بأخرى.
إن الرد السهل هنا هو الإسراع برفع مستوى المهارات والتدريب بالتوازي مع تغيرات سوق العمل. لكن هناك من الأسباب المعقولة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذه الخطوات وحدها لن تكفي. فستكون هناك حاجة إلى وضع برنامج شامل للحد من عدم المساواة في توزيع الدخل. ويتعين أن يقر هذا البرنامج بداية أن نموذج المنافسة التوازنية الذي يستخدمه المنتجون لتحقيق أقصى حد ممكن من الربح، ويحقق للمستهلكين أقصى حد من المنفعة، وتتحدد الأسعار في أسواق تنافسية تحقق تعادل العرض والطلب الذي ظل يهمن على فكر خبراء الاقتصاد لما يزيد على قرن لا يقدم صورة جيدة للاقتصاد اليوم، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بفهم تزايد عدم المساواة أو حتى النمو المدفوع بالابتكار. فنحن لدينا اقتصاد يقع تحت طائلة نفوذ السوق والاستغلال. وقواعد اللعبة مهمة. فقد اجتمعت عوامل ضعف القيود على قوة الشركات، وانكماش القوة التفاوضية للعاملين إلى أدنى حد، وتقلص القواعد التي تحكم استغلال المستهلكين والمقترضين والطلب والعاملين، فأدت معا إلى اقتصاد أضعف أداء تشوبه زيادة السعي لتحقيق الريع وزيادة عدم المساواة... يتبع.
إنشرها