هل يمكن احتجاز الكربون؟

|
تتجه أصابع الاتهام كثيرا إلى ثاني أكسيد الكربون هذه الأيام، بوصفه السبب الرئيس لظاهرة الاحتباس الحراري التي لحقت أضرارها - بالفعل - بالشعاب المرجانية والقمم الجليدية والسواحل. لكن على مدى دهور ظل جميع صور الحياة قائمة على الأرض، لأن العمليات الطبيعية كانت تبقي مستويات ثاني أكسيد الكربون ضمن الحدود الآمنة، ما حمى الكوكب من البرودة الشديدة أو الحرارة الشديدة. ومن ثم فإذا أردنا منع ارتفاع درجة حرارة الأرض أكثر بمقدار بضع درجات، فإننا نحتاج إلى زيادة هذه العمليات الطبيعية بسرعة، أو ربما حتى ابتكار بعض التقنيات الجديدة لامتصاص الكربون من الغلاف الجوي بمعدلات أكبر. لكننا نحتاج أولا إلى الإجابة عن سؤال مهم، وهو هل يمكننا التقاط كل هذا الكربون قبل أن تصبح درجة حرارة الأرض أشد من أن نحتملها؟.
لو نظرنا إلى دورة عنصر الكربون - أحد أهم عناصر الحياة - لأدركنا أنه لا يفنى ولا يستحدث من عدم، بل يتنقل فقط. تطلق المصادر الطبيعية للكربون مثل: البراكين والأشجار المتحللة، ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض، بينما تعمل أحواض الكربون الطبيعية مثل المحيطات والغابات الحية والصخور المتحللة بفعل التجوية على إزالة الكربون من الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى خفض درجة حرارة الأرض. ويمكننا أن نستفيد من أحواض الكربون هذه، حيث توفر لنا طريقة عملها أدلة حول كيفية الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري. ومن أمثلة ذلك أنه يمكن إضافة كميات صغيرة من الحديد إلى أجزاء معينة من المحيط لبدء تكاثر الطحالب الضخمة التي تمتص كميات هائلة من الكربون، ثم تموت وتغرق في قاع المحيط محتبسة الكربون بعيدا، تماما مثل الطحالب الغنية بالكربون منذ ملايين الأعوام.
إذا كان الاستغلال الفائق لأحواض الكربون الطبيعية على هذا النحو ليس كافيا لمنع ارتفاع درجة حرارة الأرض، فمن الممكن العمل على دفع الكربون تحت الأرض بأنفسنا. لكن ثاني أكسيد الكربون غير متفاعل إلى حد كبير، وهناك أربعة جزيئات منه فقط لكل عشرة آلاف جزيء من الهواء، لذلك فمن الصعب التقاطه وتركيزه. إلا أنه لحسن الحظ فالنباتات رائعة في ذلك الأمر، بل هو إلى حد كبير ما تقوم به. إذا زرعنا كثيرا من الأعشاب سريعة النمو، فإنها ستحول كثيرا من ثاني أكسيد الكربون إلى أعشاب حية، ثم يمكننا حرقها لتحويل الكربون الحي إلى تيار مركز من ثاني أكسيد الكربون. وأخيرا نستخلص ثاني أكسيد الكربون باستخدام أجهزة شفط الكربون ونحقنه في أعماق الأرض ونزيله نهائيا من الغلاف الجوي.
هناك طريقة أخرى تطبقها سفن الفضاء، حيث تستخدم أجهزة كيميائية لإزالة ثاني أكسيد الكربون الزائد من الكبائن والبدلات الفضائية. فإذا استخدمنا استراتيجية مماثلة - لنقل على سبيل المثال على نطاق الغلاف الجوي بأكمله - يمكننا إخراج ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الغلاف الجوي. ويطلق العلماء على هذه الطريقة اسم الالتقاط الجوي المباشر، وهي تتضمن استخدام مواد كيميائية قوية مثل الهيدروكسيد المعدني الذي يمكنه اصطياد ثاني أكسيد الكربون. تقوم هذه الطريقة بإخراج الكربون من الغلاف الجوي، لكننا نستطيع أيضا منع الكربون من الدخول إلى الغلاف الجوي ابتداء عن طريق التقاطه حيث يكون أكثر تركيزا، أي: في المداخن. يمكننا استغلال أجهزة شفط الكربون - التي سبق وذكرناها عند الحديث عن التقاط الكربون بعد حرق النباتات - بوضعها في محطات توليد الطاقة أو المصافي، ومن ثم يتسنى لنا إزالة ثاني أكسيد الكربون قبل أن يدخل الغلاف الجوي، وبعد ذلك - كما ذكر سابقا - يتم حقنه تحت الأرض. لقد نجحت هاتان الطريقتان - أجهزة شفط الكربون والالتقاط الجوي المباشر - في تجارب صغيرة الحجم.
يمكن لهذه التقنيات - من حيث المبدأ - أن تنجز المهمة، لكن في الوقت الحالي لا تتحمل الشركات أي تكلفة من جراء إطلاق ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، لذلك لا يوجد حافز مالي للشركات لتجنب إطلاق أو التقاط ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. لكننا كحضارة سندفع تكلفة ضخمة إذا لم نتمكن من إخراج الكربون من الغلاف الجوي، تتمثل في آثار التغير الجامح في المناخ.
حتى نتمكن من حماية الأرض من الاحترار الخطير، فنحن نحتاج إلى تنظيف الغلاف الجوي. والطريقة الأكثر مباشرة للقيام بذلك هي التوقف عن إطلاق مزيد من الكربون في الهواء، بالابتعاد عن الفحم والغاز واستخدام الطاقة بكفاءة أكبر. لكن هناك حقيقة صعبة تجب مواجهتها، وهي أنه يوجد بالفعل كثير من ثاني أكسيد الكربون في الهواء، لدرجة أن إبقاء تغير المناخ تحت السيطرة قد يتطلب منا نشر تقنيات امتصاص الكربون على نطاق واسع. وإذا لم ننجح في ذلك، فإن الحياة على كوكب الأرض ستتضرر بشكل كبير.
إنشرها