الاكتفاء الغذائي .. أمن قومي

|

يصعب الحديث عن الاقتصاد العالمي ما بعد جائحة كورونا، لأن هذه الأخيرة لا تزال حاضرة بأشكال مختلفة هنا وهناك، ولأنها ما زالت تحدد مسار السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ولأنها تضغط بدرجات متفاوتة على الحكومات حول العالم، ولأنها لا تزال خارج السيطرة الكلية. بمعنى، أن الوباء العالمي القاتل هذا، لا يزال ينعم بغياب لقاح حاسم ضده، على الرغم من أن السباق للوصول إلى اللقاح المأمول يجري بين عشرات الدول، مع ضرورة الإشارة إلى بعض التقدم في هذه الدولة أو تلك.

ولذلك، فإن الاقتصاد العالمي لا يزال أسيرا لوباء لم يتوقعه أحد، ولتداعيات تقدمت على كل التوقعات في هذا المجال. إنه ببساطة يمر الآن بمرحلة الإنقاذ، ما يجعل الحديث عن الانتعاش سابقا لأوانه، علما بأن الأزمة برمتها، طرحت بإلحاح قضية مهمة، تتعلق بالأمن الغذائي.

فقد تحركت أغلبية الدول بالفعل لتحقيق ذلك، ليس فقط من حيث الكم، ولكن من جهة الكيف أيضا، عبر الأتمتة الزراعية التي تستند إلى أدوات الإنتاج الآلي من أول الخط لآخره، خاصة في ظل تغير مفهوم الأمن الغذائي ليأخذ أبعادا اقتصادية واجتماعية وسياسية ولاسيما عندما يتعلق الأمر بتأمين الغذاء للفئات الأكثر حاجة إلى الغذاء النوعي مثل الأطفال والمرضى من السكان. كما تغير مفهوم الغذاء ليصبح جزءا من مفهوم الأمن القومي العالمي.

وصدرت سياسات اقتصادية جديدة تعتمد على تنفيذ عديد من الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية وإعادة هيكلة الاقتصادات العالمية في إطار تعزيز التكامل العالمي في ظل العولمة، وتسهيل تنفيذ الاتفاقات التجارية، والسعي وراء الاكتفاء ذاتيا من الغذاء.

إن استراتيجية الأمن الغذائي يمكن تحقيقها من خلال تعزيز جهود الدولة في مجال تحديث الزراعة وتنمية قدراتها الإنتاجية والتنافسية، وتنمية الموارد الطبيعية وصيانتها والمحافظة على البيئة بما يكفل تطلعات الأجيال القادمة في إطار متكامل يحقق مصالح الجميع، ودخل مفهوم الأمن الغذائي أيضا ضمن مصطلحات حقوق الإنسان فيما يعرف بالعدالة الغذائية التي تعني الطريقة الجماعية للحصول على الغذاء.

بالطبع تفاوت الرؤى بين الحكومات حول العالم حيال استراتيجياتها الاقتصادية تجاه كورونا، فالبعض القليل عدّ أن إغلاق الاقتصادات الوطنية لن يكون الحل الأمثل في المواجهة، والبعض الأكثر أقدم مباشرة على إيقاف حراكه الاقتصادي حفاظا على الصحة العامة، وكي تكون هناك مساحة زمنية تتشكل فيها السياسة الناجعة للتعاطي مع هذا الوباء. والحق، أن أنصار البقاء على الأداء الاقتصادي كما هو، تعرضت دولهم لأكثر الإصابات بكورونا، الأمر الذي أجبر البعض منها على إغلاق اقتصاداتها في وقت متأخر.

أما الذين قاموا بعمليات إغلاق كلية أو جزئية، لم يحققوا انفراجات واسعة على صعيد الإصابات، إلا أنهم تمكنوا من حصرها قدر الإمكان، مع قدر هائل من الخسائر الاقتصادية في كل الميادين تقريبا.

وفي كل الأحوال انصرف الجميع إلى عمليات إنقاذ مختلفة، مستندين إلى السياسة المعهودة وهي "التيسير الكمي"، عبر فوائد صفرية، وقروض معفاة أصلا من هذه الفوائد بضمانات حكومية، وضخ السيولة اللازمة في كل القطاعات تقريبا. لكن هذه السياسة لم تدفع بالاقتصادات ذات الصلة للانتقال إلى مرحلة الانتعاش المأمول، وبذلك تلقت الآمال بالتعافي السريع ضربات بفعل الحقائق الموجودة على الأرض، وظهر شيء من الانتعاش في عدد من الأماكن، ولكن في حدود ضيقة، بل بحالة هشة أيضا. إلا أن المحور الأهم هنا، هل اقترب الاقتصاد العالمي من مرحلة التعافي؟ الإجابة بالطبع واضحة، وهي لا، لم يقترب بأي شكل من الأشكال من هذه المرحلة، التي اعتقد البعض أنها ستكون سريعة، بفعل التدخلات المالية الحكومية السخية جدا في بعض الدول.

وهذا ما يطرح سؤالا مهما جدا، يتعلق بمدى نجاح الدول التي فشلت في احتواء الوباء وتلك التي حققت قفزات جيدة في هذا المضمار، على الصعيد الاقتصادي. فحتى الدول التي برأت بصورة شبه تامة من كورونا، لم تقترب من حافة التعافي الاقتصادي، الأمر الذي يعزز الاعتقاد بأن المسافة إلى هذه المرحلة ستكون أطول مما تصورته جهات ومؤسسات اقتصادية عالمية. فحتى لو حدث هذا التعافي البعيد، فإن الانكماش الذي ضرب الاقتصادات الوطنية كبير، فأكثر من 91 في المائة من الدول، ستكون اقتصاداتها أقل حجما مما كانت عليه قبل كورونا. النمو في مرحلة لاحقة، لا يزال مشكوكا في ظهوره عالميا، مع حالات إفلاس في أغلبية القطاعات، وارتفاع الدين الحكومي، وضعف الميزانيات العمومية للأسر والشركات.

إنها مرحلة صعبة يواجهها العالم بينما لا تزال آفاق القضاء على الوباء القاتل مجهولة في الوقت الراهن.

إنشرها