الأصول الذهنية

|
تسابق كثير من برامج التعليم في الماضي إلى تلقين التلاميذ مجموعة من المواد والمعلومات وأساليب التعامل التي نجحت في فترات زمنية، لكنها قد لا تناسب الحياة الجديدة والمستجدة بكل ما فيها من التغيير والانطلاق المفاجئ، نحو طريقة حياة مختلفة كليا عما عاشه الآباء والأجداد، حتى كبار الإخوة.
تواجه الأجيال القادمة تحديات مختلفة، ومعها تظهر الحاجة إلى التفاعل مع الجديد. نشاهد اليوم تراجع القدرة لدى الكبار على التحليل المناسب والتعامل مع أبسط الأشياء في نظر صغار السن، والأمثلة كثيرة من أهمها التعامل مع التطبيقات والبرامج الحاسوبية التي تنتشر بشكل سريع ومختلف لدرجة فقدان القدرة على الفهم عندما يبقى الواحد منا متعاملا مع برنامج أو جهاز أو تطبيق لفترة، حتى لو كانت أقل من خمسة أعوام.
يضرب المثل عادة بحالتي "نوكيا" و"آيفون"، حيث تغيرت فكرة الهاتف الجوال جذريا خلال 24 ساعة. لا تزال التغييرات والتحديثات تطول الجديد ليبقى مسيطرا ومنتجا لفكر وتعامل متغير باستمرار.
هنا تظهر أهمية تغيير الزاوية التي ننظر من خلالها إلى عمليات التعليم، وذلكم أمر تتنافس في تحقيقه برامج تطوير التعليم على مستوى العالم. من أهم مخرجات هذا التوجه ما نشاهده اليوم من عباقرة صغار في السن يقومون بعمليات ذهنية متسارعة، ويقدمون منتجات يعجز عن الوصول إليها كثير من الباحثين، رغم كل وسائل الدعم والتجهيزات المتوافرة لهم.
ما يميز هذه الحالة، أنها تمثل تغييرا في النظرة إلى طريقة بناء عملية التحليل الذهني. هذا التغيير ينتج عنه تكوين مجموعات من الحلول التي لم تكن تحقق من خلال عمليات التحليل المبنية على أساليب التعليم السابقة، فكل مخرج لعمليات التحليل الجديدة التي يقوم بها التلاميذ في الفصول أو خارجها، صحيح وقابل للتطبيق، لكنه منطلق من زاوية مختلفة.
نتج عن هذا التفرد الفكري كثير من المكتشفات التي تسيطر اليوم في السوق، بل منها تنطلق اقتصادات وتعيش دول. هذا الوضع لم يكن ممكنا في السابق. فلو نظرنا إلى حالة الشركات الكبرى مثل "جوجل"، "أبل" و"هواوي"، نجد الاعتماد في كل منها على توفير طريقة مختلفة لتنفيذ الأشياء أو حتى مجرد التفكير فيها. وهذا أنهى تفرد الشركات التي تعيش على الأصول المادية في السيطرة الاقتصادية، لتتحول السيطرة إلى شركات تعتمد على الأصول الذهنية، وذلكم هو المصدر الاقتصادي الأهم في المستقبل.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها