الابتكار وثلاثية الإنسان والمؤسسة والتنمية

|
لا تزال سلبيات وباء كورونا حول العالم على شاشات وسائل الإعلام كل يوم، لكن ذلك يترافق مع بروز إيجابيات على شاشات حواسيب المنازل أيضا، حيث تمثل هذه الإيجابيات حصيلة العمل عن بعد، وتنفيذ النشاطات المعلوماتية التي تشمل الحاجة إليها جميع مجالات الحياة. وإذا كان هناك من عودة جزئية إلى تنفيذ كثير من نشاطات العمل في مراكز العمل، إلا أن الحظر ما زال قائما جزئيا لحماية الجميع من شرور الوباء. والأمل في الله - العلي القدير - أن تكون لهذا الوباء نهاية حاسمة في يوم قريب. ورغم مقاومة الإنسان بالطبيعة لأي حظر، ولو كان في المنزل، إلا أن للحظر أيضا إيجابيات تمكن الإنسان من التأمل والتفكير في موضوعات مهمة تستحق ذلك.
تتمتع موضوعات كثيرة بأهمية كبيرة للمستقبل، نظرا لتأثيرها المتزايد على الجميع حول العالم. مثل هذه الموضوعات تستحق تفكير الجميع، وتواصلهم وتعاونهم، خصوصا أن تطورها يعتمد على جهد الجميع أيضا. ولا شك أن موضوع الابتكار يأتي بين مثل هذه الموضوعات المهمة التي تستحق أن نعطيها مزيدا من التفكير والمراجعة في حياتنا من أجل تفعيل التنمية وبناء المستقبل الذي نتطلع إليه. فالابتكار معرفة قابلة للتطبيق، وتطبيقها يعطي قيمة يحتاج إليها الناس، وتستطيع الإسهام في التنمية. وعلى ذلك فالابتكار محرك للتنمية يكمن سره في الإنسان الذي وهبه الله عقلا مفكرا يحمل بذور التميز والعطاء، والإبداع والابتكار، كما أن المؤسسات المختلفة الطامحة إلى النجاح والتقدم ترتبط به وتسعى إليه، ثم إن الأمم الباحثة عن مستقبل أفضل تأمل فيه وتتطلع إليه.
يحاول هذا المقال التفكير في شؤون الابتكار، وهو ينظر إلى مشهد هذه الشؤون نظرة هيكلية من خلال ثلاثة محاور رئيسة تعطي معا نطاقا واسعا للابتكار، يبين تكامل شؤونه، ويعزز كيفية السعي إلى تفعيله، ويسهل العمل على الاستفادة من معطياته. المحاور الثلاثة المختارة للنظر إلى شؤون الابتكار، هي: محور الإنسان مولد الإبداع ومعد الابتكار، ومحور المؤسسة التي تحتاج إلى عطاء هذا المولد والاستفادة منه من أجل نجاح أعمالها وتطورها، ثم محور الوطن المتطلع إلى التنمية والتقدم عبر عطاء أبنائه ومؤسساته. وسنلقي الضوء على شؤون الابتكار تبعا لكل من هذه المحاور تمهيدا لوضع بعض الملاحظات بشأن تكامل هذه الشؤون والحاجة إلى تفعيلها.
إذا نظرنا إلى مشهد الابتكار من خلال محور الإنسان، فسنجد أمامنا قضية مهمة تتضمن مهمات كبرى. وتتلخص هذه المهمات في العمل على اكتشاف مكامن تميز الإنسان ومواهبه، ورعايته وتأهيله، والارتقاء بشخصيته، وتوعيته بشؤون بنية الحياة في هذا العصر، وتفعيل توجهه نحو التفكير والإبداع، والابتكار والعطاء، والعمل على تنمية الذات، والسعي إلى الإسهام في تنمية الوطن.
ولا شك أن التعليم يتحمل مسؤولية رئيسة في تنفيذ هذه المهمات. ولعل من المفيد أن نتذكر في هذا المجال قول أينشتين Einstein، أبرز علماء القرن الـ 20 في موضوع التعليم، حيث يرى أن على التعليم ألا يكتفي بتقديم الحقائق، بل عليه أن يركز على تدريب العقل على التفكير. والتفكير بالطبع هو وسيلة تفعيل إمكانات العقل نحو الإبداع وإطلاق الأفكار الجديدة ونحو تقييم الأفكار واختيار ما يمكن تطبيقه ويؤدي إلى الابتكار والحصول على قيمة متميزة.
ونأتي إلى مشهد الابتكار عبر محور المؤسسة لنجد أن الابتكار بالنسبة للمؤسسات في هذا العصر متطلب حيوي للنجاح، والإبقاء على نشاط المؤسسة وتطويرها في مواجهة منافسات من مؤسسات أخرى. فلم يعد كافيا للمؤسسة أن تعمل على تحسين جودة منتجاتها وخدماتها، وتطوير كفاءتها في العمل، بل بات عليها أن تكون مستعدة دائما للابتكار في تطوير هذه المنتجات والخدمات، وتقديم قيمة متجددة كي تستطيع الاستمرار في السوق ومنافسة الآخرين.
لعل هذا ما دعا المنظمة الدولية للمواصفات المعيارية ISO أن تبدأ بإصدار توصيات للمؤسسات بشأن إدارة الابتكار فيها، إضافة إلى ما تصدره من توصيات بشأن إدارة الجودة. وكما كانت، ولا تزال المؤسسات تتنافس في تحسين الجودة فيما تقدم، بات عليها أيضا أن تتنافس في الابتكار فيما تعطي. تجدر الإشارة إلى أن كلمة مؤسسات لا تشير فقط إلى المؤسسات الصناعية والتجارية، بل تشمل أيضا المؤسسات التعليمية والبحثية التي عليها أيضا أن تبتكر فيما تقدم من معطيات.
ونصل إلى مشهد الابتكار من خلال محور التنمية الوطنية حيث يبرز أثر الابتكار الذي تقدمه مؤسسات الوطن. ولعل أهم صور هذا المشهد ما يطرحه دليل الابتكار العالمي GII سنويا حول حالة الدول المختلفة في شؤون الابتكار. فلهذا الدليل 80 مؤشرا يتوزعون على سبعة موضوعات تشمل حالة كل من بيئة المؤسسات والتعليم والبحث العلمي والبنية الأساسية والسوق والأعمال ومخرجات المعرفة والتقنية والمخرجات الإبداعية. فعندما تتحسن حالة جميع هذه الموضوعات يرتفع أثرها التنموي في المجتمع، ولا شك أن تحسن هذه الحالة، أي تحسن مشهد التنمية الوطنية يرتبط بكل من مشهد الابتكار على محور الإنسان، ومشهده على محور المؤسسات.
نحتاج بالطبع إلى مشهد الابتكار كاملا غير منقوص كي نستطيع تطوير حالة الابتكار الراهنة نحو الأفضل، بل كي نستطيع تحقيق الابتكار في عملية التطوير أيضا، وعلى محاوره الثلاثة، ففي ذلك قيمة مضافة تعزز هذا التطوير وتفعله. ولا بد في نظرنا إلى تطوير الابتكار بالشكل المتكامل المأمول، ألا نكتفي بأخذ الأمر في إطار المعطيات العامة فقط، بل ننظر إلى ما حولنا، إلى ما نحتاج إليه على المستوى المحلي من جهة، ثم إلى توجهات العالم ومتطلباته من جهة ثانية. فتوجيه الابتكار نحو عطاء مطلوب يفعل دوره، ويعزز مردوده. ولا شك أن في الاعتماد المتزايد، محليا ودوليا على التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي، دعوة مهمة إلى تطوير الابتكار في هذا الاتجاه على محاور الإنسان والمؤسسة والتنمية الوطنية.
إنشرها