1200 كيلو متر

|
يعاني كثير من الدول الفقيرة من إشكاليات حركة السكان وتوافر المساكن اللائقة، حيث يعيش أغلب العاملين بالأجرة اليومية في مناطق أشبه بـ«الـكانتون» في ظروف معيشية قاسية لا تتوافر فيها أبسط متطلبات الحياة. هذه المعاناة تجعل المصابين بالأمراض ينتقلون من مواقع عملهم عائدين إلى قراهم وبيوت أسرهم، خوفا من الموت في مكان غريب، ويزيد من الإشكال أن المدن الكبيرة لا توفر خدمات مجانية لمن يفارقون الحياة فيها، لتجتمع مأساة المرض مع مأساة الفقر ومأساة الانتقال القسري إلى مناطق تبعد مسافات كبيرة.
عندما أيقنت الفتاة البالغة 15 عاما أن أباها مصاب بكورونا، حملته على دراجتها العادية ونقلته لمسافة 1200 كيلو متر من نيودلهي "وهي مكان عمله" إلى قريته التي خرج منها قبل عقود، لتكون وفاته بين أهله ومجتمعه الأصل. هذه المشاهد تكررت في أوقات مثل هذه الجائحة في عقود مضت وأغلبها كانت لمسافات أقل، حيث يعود المصابون لقراهم الملاصقة للمدينة.
أذكر في السياق أنه حدث قبل أكثر من 80 عاما أن انتشر مرض الجدري في أغلب مناطق المملكة، وكان كثيرون يموتون وهم في الطريق لقراهم، خصوصا من كانوا يعيشون على فرص محدودة في المدن. الوفيات كانت بسبب التعرض لعوامل الطقس ومنها درجات الحرارة والرياح، لكن الأخطر من ذلك هو نقل المرض دون قصد إلى الكبار والصغار في المواقع التي كان ينتقل إليها هؤلاء أو يمرون بها.
الإشكالية التي لم تخطر على بال تلك الفتاة وكثيرين ممن لم يستوعبوا مخاطر انتقال الأمراض، وهم يحاولون أن يقللوا المسافة، ويقربوا القلوب، هي إمكانية نشر الفيروس على طول خط سير الرحلة القاسية، رغم ذلك احتفل الجميع بعودة المصاب وقدم كثير من الجهات الدعم للفتاة. هذا المنظر لا يمكن أن نشاهده في الدول الغنية، التي تمكنت من عزل المدن وضمان حالة التباعد الاجتماعي لتتمكن من الإعلان عن خلوها من الإصابات، كما فعلت نيوزيلندا أخيرا.
نقف اليوم في المملكة على مشارف مرحلة مهمة يمكن أن تنتج عن واحد من قرارين: إما أن يعاد فرض الحجر الصحي لساعات أطول وإما السماح بتحرك المواطنين بعد أن اتضح للجميع أن الفيروس خطير وقابل للانتقال بشكل سريع، خصوصا عندما لا يلتزم الناس بتعليمات حمايتهم، التي أصبحت بحكم المعلوم للأغلبية.
إنشرها