الصين والغرب .. علاقة تعيد رسمها الجائجة

|
النقاش حامي الوطيس في أروقة السياسة والدبلوماسية في الغرب حول أين يجب أن تتجه الأبصار بعد أن تضع الجائحة أوزارها؟ وأمام الاتحاد الأوروبي خياران لا ثالث لهما: إما إبقاء الأبصار شاخصة صوب أمريكا وإما تحويل مسارها صوب الصين وآسيا.
بزوغ الصين وقدرتها على احتواء وباء كورونا وترنح الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الكبيرة أمامه، وضع دول الاتحاد في وضع لا تحسد عليه من حيث الولاء والتطلع صوب القيادة.
فبعد أن كانت أنظار أوروبا الغربية ترنو إلى أمريكا لقيادتها ومعها العالم، أخذت هذه الدول ترى أن قيادة أمريكا لها وللعالم آخذة في الأفول، ولا بد من شد الرحال صوب الصين.
وصار اليوم على الغرب أن يختار، أو في أقل تقدير أن يوازن في علاقاته بين العملاقين الصيني والأمريكي، مع يقين أن وضع العملاق الأخير أخذ في التضعضع.
وتسعى واشنطن حثيثا وبجدية إلى عدم خسارة توازن علاقات قد لا يتقنها إلا المتضلعون في تشابك الصراعات في عالم اليوم.
كانت هناك شكوك حول من سيشكل القرن الحالي. هناك من أكد أنه سيكون قرنا أمريكيا، وهناك من قال سيكون قرنا صينيا. بيد أن الجائحة التي هزت كثيرا من العروش لم تترك مجالا للبس والريبة أن قرننا الحالي سيكون آسيويا بامتياز وقيادته صينية.
أوروبا الغربية المتمثلة في دول الاتحاد الأوروبي الـ27 إضافة إلى بريطانيا التي غادرته أخيرا، قد لا تتخلى كليا عن أمريكا، لكن يبدو أنها مصممة على تدشين سياسة فيها استقلالية كبيرة انطلاقا من مصالحها في عالم صار قاب قوسين أو أدنى من تغيرات جوهرية وهيكلية في نظمه المختلفة، وأغلبها يميل صوب الصين وآسيا.
وبوادر هذه الاستقلالية بادية للعيان، حيث يغمض الاتحاد الأوروبي الطرف عن مجاراة الولايات المتحدة في كثير من سياساتها وممارساتها، من ضمنها في مواجهتها الصين.
للصين علاقات متشابكة وقوية مع بعض دول أوروبا الغربية، حيث الاستثمارات الصينية الضخمة وكذلك المساعدات التي تلقفتها بعد أن اجتاحها وباء كورونا. مظاهر الشكر والامتنان للصين كانت بادية للعيان في بعض الدول، ووصلت إلى درجة تقبيل العلم الصيني أثناء استقبال فرق طبية صينية ومساعدات صينية.
وظهر أن للصين مكانة خاصة، حيث كانت شركاتها سباقة لتلبية الطلب المتزايد على العدد الطبية لمكافحة الجائحة. وكان منظر الدول الغربية في صراعها للحصول على العقود التجارية في هذا المضمار مثيرا للشفقة، ووصل إلى حد اتهام الواحد للآخر بسرقة المواد التجارية الصينية المشحونة إلى بعض الدول.
بطبيعة الحال، ليس بمقدور أي محلل أن يعطي سقفا زمنيا يحدد فيه واقع العلاقة المستقبلية بين الدول الغربية من جهة وأمريكا والصين من جهة أخرى، لكن إن كان حجم التجارة مؤشرا إلى طبيعة العلاقة ومن يتكئ على من في عالم الاقتصاد، وهو أهم عامل في عالم اليوم، فإن الأرقام تكاد تنطق.
تستورد دول الاتحاد الأوروبي كل يوم ما قيمته أكثر من مليار دولار من البضائع من الصين.
واعتماد الغرب على الصين يكاد يكون شاملا في حلقات محددة مثل أمن الاتصالات وبعض الحلقات الطبية والأدوية، ويستورد الغرب كل حاجياته من الصين.
وصار جليا بعد الجائحة أن في مقدور الصين، لما تملكه من إمكانات مادية، شراء حلقات تكنولوجية غربية فائقة التطور وبأسعار متدنية جدا، ما حدا بأحد المحللين إلى القول بعد احتواء الوباء في الصين وترنح بعض الدول الغربية، إن الصينيين بإمكانهم شراء كل مصانع الاتحاد الأوروبي.
وخشية من المد الصيني في الدول الغربية، اتخذ بعض الحكومات قرارات تجعل من المستحيل بيع شركات صناعية وتكنولوجية محددة، ولا سيما في قطاع الأدوية والأجهزة الطبية، وغيرها.
والصين عموما، تلعب بذكاء في ساحة دول الاتحاد الأوروبي. فعكس روسيا والولايات المتحدة، فإنها لم تؤيد انسحاب بريطانيا من الاتحاد، وسارعت إلى مساندة الاتحاد للتخفيف من وقع الأزمة المالية عام 2008.
وتعرف الصين أن الاتحاد الأوروبي، رغم ما يجمعه كوحدة اقتصادية وسياسية، إلا أن فيه كثيرا مما يفرق أعضاءه عند الاختيار بين عملاق شمال أمريكا وعملاق آسيا.
بعض الدول الأوروبية استقدمت تقنية الاتصالات الصينية من الجيل الخامس الأكثر تطورا في العالم، وبعضها الآخر قبل مشاركة الصين واستثماراتها على أراضيه في البنى التحتية على خط ما يعرف بطريق الحرير، لربط الصين بالقارة الأوروبية.
إن كانت أمريكا ظاهرة للعيان من خلال قوتها الناعمة وسلسلة وجباتها السريعة، فإن الصين اليوم متوافرة في البنى التحتية وعلى الرفوف في أسواق ومتاجر هذه الدول.
إنشرها