التحول الرقمي والاستعداد لما بعد الوباء

|
ليست فيروسات كورونا الوباء الوحيد الذي واجه الإنسان خلال تاريخه الطويل عبر الأجيال، فقد كانت هناك أوبئة عديدة على مدى التاريخ، لكن ما ميز كورونا هو أن وسائل العصر في التنقل وكون العالم قرية واحدة، أعطت هذا الوباء بعدا غير مسبوق للانتشار والتأثير حول العالم، وفي وقت واحد. وكما من الله على البشرية في وضع نهاية للأوبئة السابقة، سينتهي وباء كورونا، بمشيئة الله وفضله، ويصبح تاريخا كما أصبحت الأوبئة السابقة.
سينسى العالم مآسي كورونا الكثيرة، الإنسانية منها والاقتصادية والاجتماعية، ولعله سيذكر تفعيلها التحول الرقمي وجعله ضرورة للمحافظة على كثير من النشاطات والأعمال، ليكون بذلك تدريبا أوليا على توجهات المستقبل. بهذا التدريب استطاعت كورونا دفع العالم إلى تجاوز الفجوة الزمنية التي غالبا ما تواجه التقنية الحديثة، بين بروزها وعرضها لإمكاناتها وفوائدها الجديدة من جهة، وبين استيعاب أغلب الناس لها وتبنيهم تفعيلها والاستفادة منها من جهة ثانية. فقد سرع هذا التجاوز حركة العالم نحو المستقبل الرقمي الفسيح الواعد، الذي يفتح ذراعيه داعيا الجميع للوصول إليه والإسهام في معطياته.
اليوم ونحن لا نزال نعيش تحت وطأة كورونا، أصبحنا نجتمع مهنيا، وكذلك اجتماعيا، عبر فضاء الإنترنت السيبراني، الذي ترسخ في تأثيره وحوكمته للفضاء المادي الحقيقي الذي نعيش فيه. تنفيذ التعليم والمحاضرات والمناقشات، بل الاختبارات أيضا بات يتم عبر الإنترنت. اعتماد التعاملات التي تستند إلى المعلومات على الإنترنت، بشتى موضوعاتها وأشكالها، سواء الحكومية، أو غير الحكومية، بل حتى الشخصية، ازداد بشكل كبير عن ذي قبل. تزايد أيضا التسوق وعمليات الشراء عبر الإنترنت. تحديات وسائل النقل للهواء والبيئة الصحية انخفضت، وكذلك استهلاك الطاقة، وتكاليف النقل في جانبيها المادي والزمني، إضافة إلى عديد من التغيرات المختلفة الأخرى.
أمام ما سبق، وأمام دوران عجلة التقنية الرقمية، وما تقدمه من مستجدات تعطي فوائد متجددة، وأمام الوقت الطويل الذي نقضيه في المنازل لمواجهة انتشار كورونا، نجد أن علينا واجب التفكير في المستقبل. ولا شك أن جزءا مهما من هذا التفكير يجب أن يتركز حول تفعيل التحول الرقمي خصوصا أن كورونا أخضعتنا لتدريبات بشأنه، وأيضا يحمل إلينا وعودا كثيرة جذابة لخدمات متطورة تحسن أداء الأعمال في مجالات كثيرة، فضلا عن فتح آفاق جديدة لأعمال مفيدة غير مسبوقة.
لا شك أن ما تشهده التقنية الرقمية من تقدم، يحمل للمستقبل كثيرا من المعطيات. فهناك إنترنت الأشياء التي تجعل التواصل مع الأشياء ممكنا؛ وهناك الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع تحميل الأشياء بالذكاء ليكون لها إجراءات تفكير خاصة بها، وأداء ذكي قد يطلب منها. ثم هناك القراءة العميقة الموجهة لدراسة البيانات الضخمة التي تستطيع كشف معلومات كثيرة، بينها على سبيل المثال التعرف على سلوك الإنسان وتوجهاته في التسوق التي تفيد أهل التسويق وبالتالي أهل الإنتاج أيضا. وهناك الحوسبة السحابية التي تقدم خدمات حاسوبية عامة ومختصة من مواقع على الإنترنت لا يعلم متلقو الخدمات أين هي، كما نجد حاليا في خدمات شبكات التواصل الاجتماعي المنتشرة حول العالم.
عندما نفكر في المستقبل، نجد أمامنا أمورا تشغلنا على المدى القريب، وأخرى علينا الاهتمام بها على المدى الأبعد. ترتبط شؤون المدى القريب بالأعمال والمهمات التي نقوم بها حاليا. ومثال ذلك التعليم، والنشاطات الإدارية، والتعاملات الحكومية والتجارية، والتواصل المعرفي، ومختلف المهمات المعلوماتية التقليدية المعتادة في شتى المجالات. وإذا كان بعض أو كثير من مثل هذه المهمات قد تحول فعلا إلى العمل الرقمي، فلا بد من السعي إلى تطوير هذا التحول باستمرار بما يتناسب مع الخصائص المتجددة للتقنية الرقمية. أما المهمات التي لم تحول فيجب تحويلها رقميا على أفضل وجه ممكن، بناء على توجهات تتوخى المصلحة العامة من جهة، وباستخدام أساليب علمية متطورة تحقق فوائد مرجوة بأداء متميز من جهة ثانية.
إذا انتقلنا إلى التفكير في المستقبل على المدى الأبعد، نجد أن علينا التركيز على معطيات التقنية الرقمية المتجددة، والفوائد المتصاعدة التي تقدمها، إضافة إلى محاولة الإجابة عن تساؤلات كثيرة مثل: كيف نستطيع الاستفادة من هذه المعطيات؟ وكيف يمكن أن ننفذ ذلك على أفضل وجه ممكن؟ بل أكثر من ذلك كيف نستطيع أن نكون بين روادها في المستقبل؟
وإذا أردنا أن نوضح الصورة هنا بشكل أفضل عبر نظرة بعيدة المدى، فلعلنا ننظر إلى ما يجري بشأن المزج بين إمكانات إنترنت الأشياء من جهة، وإمكانات الذكاء الاصطناعي ودوره في أنظمة الروبوت الميكانيكية من جهة أخرى. في مثل هذا المزج قد نجد في المستقبل أنظمة الروبوت في المصانع تنفذ منفردة عمليات الإنتاج والتجميع في مختلف الصناعات، ونجد الإنسان ضابطا لها ومتحكما بها، ربما من منزله، عبر إنترنت الأشياء. أي أن العمل من المنزل قد لا يقتصر على أداء المهمات المعلوماتية المعتادة فقط، بل قد يشمل أيضا تنفيذ مهمات تصنيعية إنتاجية محركة للاقتصاد، وليس فقط معتمدة على حركته.
في تفكيرنا في المستقبل وسعينا إلى تفعيل التحول الرقمي والاستفادة منه في مختلف المجالات، سواء على المديين القريب، أو الأبعد، هناك ثلاثة منطلقات رئيسة ينبغي أن توجه تفكيرنا. أول هذه المنطلقات هو الأمان ومصلحة الإنسان وتوفير متطلبات الحياة الناجحة والسعيدة له؛ ويشمل ذلك بصورة رئيسة خدمات التعليم والتعلم إلكترونيا، وتمكين الأعمال المفيدة وتفعيلها وإتاحتها على نطاق واسع إلكترونيا أيضا؛ فضلا بالطبع عن تعزيز الخدمات الأساسية كالخدمات الصحية، وخدمات البنية الأساسية، وغيرها. المنطلق الثاني هو فعالية أداء الأعمال وتنفيذها على أفضل وجه ممكن يحقق المتطلبات بالدقة المنشودة. أما المنطلق الثالث فهو الكفاءة في تحقيق الفاعلية المنشودة، دون نقصان، وبأدنى الموارد وأقل التكاليف. ولنا عودة لمناقشة أوسع في هذا المجال، تهتم بهذه المنطلقات الثلاثة.
إنشرها