الأزمة التي أعدت الاقتصاد الرقمي اليوم للأزمة التالية

|
من المدهش فعلا أن كل عقد من الزمان يبدأ بحادثة كبيرة، فلقد شهدنا في عام 1990 كارثة اجتياح العراق للكويت، ثم جاء عام 2000 بالهجوم على البرجين في الولايات المتحدة، وفي عام 2010 أو قبلها قليلا شهدنا الأزمة المالية، ثم الأزمات السياسية، والآن يأتي كورونا والإغلاق الكبير مع 2020. حتى لو عدنا إلى الماضي فإن أزمة الكساد كانت عام 1929، وكذلك غزو كوبا عام 1960، وكسر قاعدة الذهب عام 1971 وهكذا فإن العقد هو كلمة السر في الأزمات، ومع هذا وذاك فإنه "دائما" ما يكون الاقتصاد محصنا بطريقة عجيبة، وكأن الأحداث التي تسبق الكارثة قد رسمت المستقبل أو حصنته، وكي نعرف اليوم كيف ستمر الأزمة وكيف سيتشكل المستقبل فإن علينا أن نقرأ الماضي القريب، وكيف تم تغييره، لأن الحاضر بكل خيره وشره يحمل صورة من ذلك الماضي.
بداية يجب ألا يوحي هذا المقال بفكر المؤامرة، لكنها تبدو لي سننا ودروسا من الحياة، وقد تقبل هنا فكرة الديالكتيك، وإن هناك نضجا تاما في أفكار معينة وقضايا إنسانية جوهرية وتتزاحم وتتراكم القضايا فيما بينها بما يشكل الأزمة الجديدة من الصراع كي يولد العصر الجديد، بفكر جديد وقيادة جديدة، وهكذا في كل مرة. فلقد شهدنا في الأعوام العشرة الماضية تقلبات شديدة بعد الأزمة المالية، فمع تراجع أسعار الدولار في العقد الأول من القرن الحالي ارتفعت أسعار النفط حتي بلغت أكثر من 140 دولارا قبل الأزمة المالية عام 2008، لكن الزخم الذي تلا تلك الأزمة وعلى الأخص برنامج التيسير الكمي الذي قامت به الولايات المتحدة لتلافي انهيار شركاتها الكبرى، مع استمرار ضعف الدولار من قبل حفاظا على توازن الأسواق فوق 80 دولارا، لكن الارتفاعات الهائلة في أسعار النفط قبل الأزمة ثم الأزمة نفسها عام 2008، كانت قد قوضت سياسات دول عديدة حول العالم، فانكشفت دول عديدة مثل اليونان، ثم جاءت الارتباكات السياسية في العالم العربي، وهذا قاد إلى ظهور حركات مسلحة ومن بينها "داعش" في العراق وسورية، وفوضى أضعفت النمو العالمي، ليأتي عام 2015 بأزمة انهيار أسعار النفط، مع تزايد الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري وبحث العالم عن بديل للنفط الغالي الثمن في الغاز وفي الطاقة الشمسية، لقد كان واضحا جدا أن أزمة 2008 فرضت حقائق جديدة، في السوق النفطية، وكانت تتطلب قواعد عمل جديدة أيضا، وقد كان ظهور "أوبك +" نتيجة حتمية.
هكذا حمل الماضي معه اتفاق "أوبك +" الذي أنتج واقعا جديدا على الأسواق النفطية والعالم الذي يترقب لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس بوتين، كما أصبحت "مجموعة العشرين" أهم قمة عالمية، وهي التي شرعت للعالم التدخل الحكومي حتى لم يعد أحد يناقش مثل هذه المسألة أخلاقيا، فقد أصبحت ممارسات اقتصادية راسخة لها قمة عالمية. لكن عوامل أخرى خلال الأعوام من 2010 وما تلاه قد دخلت في الميدان، لعل أهمها وأخطرها نمو وسائل التواصل الاجتماعي، فلقد شهدت الارتباكات السياسية التي عمت العالم استخداما مفرطا لوسائل التواصل الاجتماعي، واكتشفت الحكومات كافة قدرة هذه الوسائل على توجيه الرأي العام، وهذا دون شك وفقا للتطورات التي لحقت، قد عزز الطلب على هذه التقنية بشكل مذهل، وسرع من تقنيات الاتصال بشكل مذهل، ما أنتج خلال عقد كامل ما أصبح يسمى عند نهايته الاقتصاد الرقمي، لقد تشكلت أسواق افتراضية وشركات تجارة إلكترونية عملاقة عجلت كثيرا بتطوير تقنيات الاتصال السريع وظهرت في غضون أعوام قليلة أجيال متعددة حتى وصل العالم إلى الجيل الخامس G5، مع تطور مخيف في الأجهزة وإنترنت الأشياء، وقادت الصين العالم في إنتاج هذه التقنيات بسرعة أكبر من غيرها، لكن هذا الاقتصاد الرقمي عزز إنتاج الآلة، وغير أشكال الوظائف، التي أصبحت أكثر هشاشة، مع دخول التطبيقات الرقمية، كما أن هذا أوجد صراعا على الصدارة بين الولايات المتحدة والصين، التي رفضت التراجع طوعا، وقبلت بحرب تجارية، عمقت من مخاوف تراجع النمو العالمي، وفي ظل وجود النفط الصخري وزحمة التنافس في أسواق الطاقة كانت غيوم الأزمة تتلبد في سماء الاقتصاد، وبدأ الجميع يشعر بها، ولم يكن العالم بحاجة إلى أكثر من قشة، فكيف وقد أصبحت جائحة بحجم كورونا؟
لم يكن من باب المصادفة أن الاقتصاد العالمي كان يقف على توازن هش، وكان الإغلاق الكبير أكبر من قدرة أسواق النفط على تحمله فتراجعت الأسعار فورا، وبدا للبعض أن اتفاق "أوبك +" قد انهار، لكن الاقتصاد لا ينظر إلى الخلف، لم يحدث سابقا مثل ذلك، وما تم اكتشافه أن الاقتصاد العالمي بحاجة إلى توسيع نطاق "أوبك +"، نعم تأخر الأمر قليلا، لكن هذا الاتجاه صحيح عموما، هنا نقول إن الحاضر حمل صورة من الماضي فـ"أوبك" تحولت إلى "أوبك +" التي تحولت إلى اتفاق عالمي سرعان ما سيشكل مستقبل أسواق النفط التي من المتوقع أن تصبح لها قمة تماثل "قمة العشرين"، في المقابل جاء الإغلاق الكبير ليضع الاقتصاد الرقمي في مكانه الصحيح، ولو لم تحدث الأزمات التي قادت إلى تطوير الاقتصاد الرقمي في العقد الماضي لكنا اليوم أمام أزمة مجاعة عالمية هائلة، لكن الاقتصاد الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي قد أنقذا الموقف رغم ضعف سلاسل الإمداد التي اكتشف مدى هشاشتها وسيكون المستقبل هناك دون شك حتى يعود التوازن، فالنقل والشحن هما أكبر معضلة أمام تقدم الاقتصاد الرقمي وسيكون المستقبل مليئا بمزيد من الاندماجات والاستحواذ لحل هذه المشكلة، وأكثر ازدهارا لكل من طور تقنياته فيها، فالأسواق لا تنظر إلى الخلف. لقد قاد كورونا إلى دعم بلغ سبعة تريليونات دولار، فلم يعد هناك مجال للسؤال عن العجز، في المستقبل ستكون فوائض الميزانيات نادرة جدا، والدين العام سيكون هو مقياس الازدهار والفقر، وهذا سيكون له ارتباط جوهري بقبول اللقاحات الطبية التي ستصبح أكبر موظف للعمال، لكن الوظائف الهشة ستكون أكثر، وهذا سيقود إلى مزيد من عدم التساوي inequality، والأمور ستكون أسوأ اجتماعيا.
إنشرها