تأجيل أقساط الأفراد لدعم الاقتصاد

|
كاتب ومستشار اقتصادي

 بالتأكيد، لا أحد يستطيع اليوم ذكر أي بيانات رقمية صحيحة عن تأثير فيروس كورونا في الاقتصاد العالمي، أو في اقتصادنا السعودي، وهو ما يهمني هنا، لكن بشكل مقارب، تقول بعض الأرقام المتحفظة إن النمو العالمي سينخفض بحدود 1 في المائة جراء الفيروس، ولو أخذنا المتوسط نفسه لاقتصادنا، لوجدناه أكبر من هذا الرقم.

والسبب أن اقتصادنا يتكون - كما يعرف الجميع - من قطاع نفطي كبير وآخر غير نفطي، وكلنا يعلم أن انخفاض أسعار النفط من نحو 60 دولارا إلى أقل من 30 دولارا للبرميل، يعني انخفاض الناتج المحلي النفطي عندنا. كما أن أثر انخفاض أسعار النفط مضافا إليه تأثير "كورونا"، سيلقي بظلاله السلبية على الناتج المحلي غير النفطي لدينا.
بالطبع، الحكومة لم تغفل عن تأثير "كورونا" في اقتصادنا، وأعلنت الأسبوع الماضي إعفاءات عدة لقطاع الأعمال بلغ حجمها 70 مليار ريال؛ سردها محمد الجدعان وزير المالية، في مؤتمره الصحافي، ومنها الإعفاء من المقابل المالي على الوافدين المنتهية إقاماتهم من تاريخه حتى 30 يونيو 2020، وتمكين أصحاب العمل من استرداد رسوم تأشيرات العمل التي لم تستغل خلال مدة حظر الدخول والخروج، وتمكين أصحاب الأعمال من تأجيل توريد ضريبة القيمة المضافة وضريبة السلع الانتقائية وضريبة الدخل، وتأجيل تقديم الإقرارات الزكوية وتأجيل سداد الالتزامات المترتبة بموجبها، وغيرها من الإعفاءات.
كما سبقت مؤسسة النقد باتخاذ حزمة من القرارات بهدف التخفيف على المنشآت في هذا الظرف الصعب، وأعلنت برنامجا بقيمة 50 مليار ريال لدعم تمويل القطاع الخاص، منها ضخ نحو 30 مليارا في النظام المصرفي مقابل تأجيل تحصيل مستحقاته على قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ستة أشهر. كذلك ضخ ما يزيد على 13 مليار ريال لدعم إقراض البنوك وشركات التمويل لقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة بما يدعم استمرارية أعمالها ونموها خلال المرحلة الحالية، إضافة إلى برنامج ثالث لدعم ضمانات التمويل لمصلحة المنشآت الصغيرة والمتوسطة بلغت تكلفته ستة مليارات ريال.
اقتصاديا، لست أرى ذلك كافيا، فما ذكرناه عن برنامج الإعفاءات أو عن برنامج تسهيل القروض وتأجيل سدادها، دعم غير مباشر للقطاع الخاص، وجاء البرنامجان كلاهما لدعم جانب العرض، سواء عن طريق الإعفاءات والتأجيل أو طريق تسهيل القروض وتأجيل سداد المستحق منها ستة أشهر.
ورأيي الشخصي، أن يتم إقرار برامج إضافية، لأن ما يعيد الاقتصاد إلى الحراك والانتعاش ليس دعم جانب العرض، إنما دعم جانب الطلب الفعال، والخيار المتاح أمام الحكومة اليوم، أن تدعم المستهلك من موازنتها، كزيادة مصروفات برنامج حساب المواطن أو صرف مبلغ إعانة مقطوع للأسر والعائلات، أو صرف علاوة معينة على رواتب موظفيها، وهو خيار أعتقد أنه صعب حاليا، ولا سيما مع انخفاض عوائد موازنة الحكومة بسبب انخفاض أسعار النفط.
الخيار البديل، أن تطلب مؤسسة النقد من البنوك تأجيل تحصيل الأقساط من الأفراد ثلاثة أشهر أو حتى ستة أشهر، ولأن أغلبية المستهلكين عليهم أقساط شخصية أو عقارية، فسيكون إعفاؤهم من سدادها فترة معينة، محركا للنشاط الاقتصادي، حيث ستذهب هذه الأموال التي أجل استقطاعها لتصب في جانب الطلب الكلي مباشرة، وهو المحرك للاقتصاد - كما ذكرنا - وليس العرض الكلي.
شخصيا، أرشح الخيار الثاني وأراه أسهل وأقل تكلفة، فحبذا لو تفكر مؤسسة النقد في هذا الخيار وتسعى لدى بنوكها إلى تأجيل الأقساط على الأفراد فترة معينة، لتصب هذه الأموال مباشرة في السوق وتحرك الاقتصاد وتجنبه ركودا مؤكدا بسبب ما ذكرنا عن تأثير فيروس كورونا وتأثير انخفاض أسعار النفط.

إنشرها