فاتورة الصحة وقضايا المالية في الاقتصادات المتقدمة «3 من 3»

|

حسب توقعاتنا، نقوم بدمج مستويات الإنفاق الأدنى التي تعزى إلى تدابير أخيرة وافتراض أن معدلات نمو الإنفاق لن تعود إلى المتوسطات التاريخية إلا تدريجيا مع تعافي الاقتصادات. نقوم بدمج مستويات الإنفاق الأقل التي تعزى إلى التدابير الأخرى مقارنة بالوضع لو لم تكن هناك أزمة. سيكون ذلك النمو في صورة وعاء أضيق للإنفاق كنسبة مئوية من إجمالي بعض الاقتصاد وتستند التوقعات حتى عام 2019 إلى التوقعات الاقتصادية الكلية الواردة في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" لصندوق النقد الدولي "النمو الاقتصادي، ونسب الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي لدى الحكومة العامة، ومعدل البطالة". وفي الأعوام بعد 2019، تفترض التوقعات أن نمو التكاليف الزائدة "الفرق بين نمو الإنفاق الحقيقي على الرعاية الصحية ونمو إجمالي الناتج المحلي، بعد تعديله لمراعاة آثار شيخوخة السكان" سيعود تدريجيا إلى متوسطه التاريخي بحلول عام 2030. وفي المتوسط، نتوقع أن يزيد الإنفاق على الصحة العامة بمقدار 1.5 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي خلال الفترة 2014 - 2030. ويتوقع أن يعزى أقل من نصف الزيادة إلى شيخوخة السكان؛ ويتوقع أن يعزى الجزء المتبقي إلى نمو الإنفاق الزائد بسبب تحسن التكنولوجيا رغم ارتفاع تكلفتها، ونمو الدخل، والسياسات والمؤسسات الصحية.


وتشير النتائج أيضا إلى أنه ستكون هناك فروق كبيرة في زيادات الإنفاق بين الدول في العقد ونصف العقد المقبل. ففي الولايات المتحدة، يتوقع أن يزيد الإنفاق العام على الصحة "بما في ذلك جميع البرامج الصحية للحكومة الاتحادية وحكومات الولايات" بمقدار 4.5 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي. ويتوقع أن يزيد الإنفاق العام على الصحة في اليونان وآيسلندا وإيرلندا والبرتغال وإسبانيا، في المتوسط، بأقل من نقطة مئوية واحدة من إجمالي الناتج المحلي.


ويدل ذلك على الآثار المتبقية من الأزمة العالمية في الماليات العامة والأوضاع الاقتصادية الكلية في هذه الدول.


تنطوي التوقعات بشأن الماليات العامة للاقتصادات المتقدمة في الأجل الطويل على انعكاسات كبيرة. فحتى تتمكن هذه الاقتصادات من بلوغ أهداف المالية العامة الخاصة بها في الأجل المتوسط، سيتعين عليها زيادة الإيرادات أو الاستمرار في خفض الإنفاق. وإحدى سبل قياس حجم التصحيح المطلوب هي تقدير المستوى الذي يتعين على هذه الدول أن ترفع عنده "أرصدتها الأولية" الإيرادات مخصوما منها النفقات، عدا الفائدة على مدى الفترة 2014 - 2020 لتحقيق أهدافها.


وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن التصحيح المطلوب سيكون في حدود 2.25 نقطة مئوية في المتوسط من إجمالي الناتج المحلي 2014 والأهم من ذلك أنه سيتعين على الدول التعامل مع زيادة الإنفاق على المعاشات التقاعدية، التي يتوقع أن تزيد بمقدار نقطة مئوية واحدة من إجمالي الناتج المحلي على مدى الـ15 عاما المقبلة نتيجة لشيخوخة السكان. ونتيجة لذلك، يبلغ مجموع احتياجات ضبط أوضاع المالية العامة "بما في ذلك الزيادات المتوقعة في الإنفاق على الصحة" 4.75 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة كبيرة تؤكد ضرورة تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وهو أمر ممكن في عدد من المجالات. وتشمل هذه المجالات إصلاح الأجور والتعيينات في القطاع العام؛ وتقريب الإنفاق على التعليم بدرجة أكبر من الاحتياجات المتغيرة، التي تتغير بتغير أعمال السكان؛ وتوجيه المنافع الاجتماعية للأسر المعيشية منخفضة الدخل، وهو ما من شأنه أن يتيح للحكومة تحقيق أهدافها فيما يتعلق بالمساواة بتكلفة أقل.


وعندما يتعلق الأمر بالرعاية الصحية فإن الاقتصادات المتقدمة ليست مغلوبة على أمرها وبإمكانها اتخاذ خطوات للحد من الإنفاق واحتواء الزيادة في هذه المصروفات في الأعوام المقبلة. ومن بين الإجراءات التي يمكن أن تتخذها ما يلي:


- تنفيذ إصلاحات تعزز التنافس والاختيار، يمكن أن تتضمن المنافسة بين شركات التأمين ومقدمي خدمات الرعاية الصحية والإفصاح عن المعلومات بشأن الأسعار وجودة الخدمات الصحية.


- زيادة التأكيد على الرعاية الأولية والوقائية، التي يمكن أن تقلل الحاجة إلى الرعاية الأعلى تكلفة بإبقاء السكان في حالة صحية جيدة.


- إدخال تحسينات في نظم أداء المدفوعات للهيئات المقدمة للخدمات من أجل زيادة الحوافز لتوفير علاج فعال التكلفة. فالتحول عن النظم البسيطة لرد المدفوعات على أساس التكاليف التي تتحملها هذه الهيئات أو الخدمات التي تقدمها يمكن أن تحد من الحوافز لتوفير الرعاية غير الضرورية. ويمكن أن تتضمن هذه التحسينات مدفوعات للخدمات على أساس "المجموعات المتصلة بالتشخيص" التي تحدد بروتوكولات العلاج لمجموعة معينة من الحالات الطبية وهيكل الرسوم المتصل بها.


- التوسع في اعتماد نظم إدارة المعلومات الصحية من أجل جمع بيانات المرضى وتخزينها وتبادلها. وتملك هذه النظم إمكانات تعزيز النتائج الصحية وخفض التكاليف في آن واحد.


وبعبارة أخرى، لا يخضع الإنفاق على الرعاية الصحية للسيطرة الكاملة في الاقتصادات المتقدمة، وهو ما يؤكد ضرورة الاضطلاع بإصلاحات هيكلية طويلة الأمد من أجل الحفاظ على المكاسب الكبيرة التي تحققت في مجال الرعاية الصحية في الماضي، وتمديد هذه المكاسب، والحد من نمو هذا الإنفاق للهبوط به إلى وتيرة تكون قابلة للإدارة بدرجة أكبر.

إنشرها