«كوفيد - 19» .. الدروس المستفادة

|

في مقال الأسبوع الماضي عرضنا ردود الفعل التي صاحبت ظهور فيروس كوفيد - 19، ليس على مستوى الأفراد فحسب، بل على مستوى الدول، والحكومات، وتبين لنا أن ردود الفعل تراوحت بين الجدية، والحزم في اتخاذ إجراءات الوقاية، والحيطة، وبين التراخي إلى حد الإهمال في دول أخرى. النوع الأول، تمثله المملكة حرصا منها على حماية المواطنين، والمقيمين، أما النوع الثاني، فيتمثل في بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، التي انتشر فيها الفيروس، انتشار النار في الهشيم، حتى أصبحت الوفيات بالمئات يوميا، و الإصابات الجديدة بالآلاف يوميا.


في مثل هذه الظروف الصعبة، لا يمكن إنكار قيمتها في استخلاص الدروس، والعبر من قبل العقلاء، الذين يعتقدون أن في المحن منحا؛ إذا استنبطت وتمعن فيها، ووظفت جيدا لتكون نتائجها إيجابية، على المستويين القريب والبعيد المدى، أول درس، يمكن الخروج به أن إخلاص المسؤول، واستشعاره المسؤولية الملقاة على عاتقه يجعله يعمل بجد وشفافية، خارج دائرة المصالح الذاتية الضيقة ليرتقي إلى الاهتمام بالمصلحة الاجتماعية العامة، موظفا قدراته، ومهاراته، مع الاستفادة من خبرات الآخرين المحيطين به، أو خارج الحدود.


الدرس الثاني: العمل الجماعي يحقق نتائج باهرة، إذا ما قورن بالعمل الفردي، ذلك أن يد الله مع الجماعة، خاصة عندما تلتزم الجماعة بمنهج واحد، بدل التشرذم المؤدي إلى الضياع، وبعثرة الجهود، وهذا لا يتحقق ما لم يلتزم الجميع بالتوجيهات الرسمية الصادرة من جهات الاختصاص، أيا كان الظرف، أو الأزمة التي يمر بها أي مجتمع، فعلى سبيل المثال، النداءات التي تصدرها وزارة الصحة بتجنب التجمعات، والالتزام بالبيوت إلا للضرورة القصوى؛ تمثل إجراء حمائيا؛ لمنع انتشار المرض، ومن ثم فقدان السيطرة عليه.


الدرس الثالث: الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، طوال الأزمان، فهي متغيرة متعاقبة تعاقب الليل والنهار، حتى إن طالت الفترات الزمنية، فالسعة، ورغد العيش يعقبهما شدة، وبأس، وهذه سنة الله في الحياة "وتلك الأيام نداولها بين الناس"، وإدراك الناس هذه الحقيقة يجعلهم أكثر تحسبا للمفاجآت، حتى لا تأخذهم على غرة، وتنكد عليهم حياتهم، وتضيع عليهم المكتسبات التي تحققت بعد عقود من العمل الشاق، والتضحيات، والمال الذي أنفق على برامج التنمية، والمنجزات، وفي هذا السياق نستحضر قوله تعالى: "حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا"، وكما يقول المثل: دوام الحال من المحال.


آثار التغيير قد تكون صحية، أو اقتصادية، أو بيئية، أو سياسية، أو تأتي مجتمعة ففيروس صغير لا يرى بالعين المجردة ترتب عليه أمراض، ووفيات، وتراجع اقتصادي، ضرب اقتصادات العالم، حيث تراجعت مؤشرات الأسواق، والسلع الرئيسة، كما ظهرت الآثار في سلوك الناس وتصرفاتهم، فالهلع في أمريكا دفع كثيرين إلى محال الأسلحة؛ لشراء الأسلحة حماية لهم مما يتوقعونه من انفلات أمني قد يحدث؛ مع الانتشار السريع للمرض.


من الدروس المستخلصة من هذه الأزمة العالمية ما يخص العلاقات الدولية، إذ شهدت المساحة الدولية ممارسات إيجابية، وسلبية، فالدول بعضها دعم بعضا في أدوات الحماية من الفيروس، كما فعلت المملكة مع الصين، واليمن، وكذلك الدول الأخرى، إلا أن الممارسات السلبية تمثلت في دول الاتحاد الأوروبي، وموقفها من صربيا، التي أعلن رئيسها على الملأ أنه لم يعد يثق بأوروبا، واتحادها، واتجه صوب الصين، وقبل علمه؛ ليدشن بذلك تغيرا في العلاقات الدولية، كما أن مصادرة التشيك للمعدات، والأدوية التي بعثت بها الصين لإيطاليا تثير علامة استفهام فيما يمكن أن تكون عليه الحال إن استمر الوضع فترة طويلة؛ فالتقوقع حول الذات، وسلوك الأنانية سيكون السائد لدى بعض الدول.


هذه التغيرات، والتحولات تستوجب اهتماما من الدول، بصورة فردية، وجماعية؛ لإجراء البحوث، والدراسات من قبل مراكز الأبحاث، والجامعات في جميع الأمور لرصد التغيرات المناخية، والاقتصادية، والسياسية، والبيئية، وتوفير مستلزماتها من خلال الإنتاج الذاتي؛ حتى لا تكون مرتهنة لجشع هذه الدولة، أو تلك.

إنشرها