جيل 2030 طاقة وعقول منتجة

|

إن أهم مصدر لنهضة الأمم وتطورها الاقتصادي والاجتماعي هو الطاقات البشرية أو رأس المال البشري، فكلما كانت هناك عقول وقوى بشرية عاملة ومؤهلة ومتعلمة، زادت قوة الدولة وزادت قدرتها على التنافس. لهذا، تتنافس الدول المتقدمة في استقطاب العقول وتتنافس بعض الدول في استقطاب مهاجرين مؤهلين للعمل. اليوم، ومع التغيرات الاجتماعية التي حدثت في كثير من الدول المتقدمة اقتصاديا، مثل اليابان وألمانيا وإيطاليا، وغيرها من انخفاض في نسبة المواليد وتباطؤ أو تراجع في النمو السكاني، وهو ما أدى إلى ما يسمي "شيخوخة المجتمع"، حيث تزيد نسبة السكان المسنين وتقل نسبة الشباب، ما يهدد الدولة من عدة نواح، منها الوضع الاقتصادي.
حسب آخر إحصائية منشورة من قبل الهيئة العامة للإحصاء لعام 2018، جاء تقسيم المجموعات العمرية للمواطنين السعوديين، كالآتي: من عمر 0 إلى 14 عاما بلغ 2.2 مليون نسمة بما يعادل 10.6 في المائة من السكان، بينما من عمر 5 إلى 9 بلغ 2.1 مليون نسمة بنسبة تعادل 10.4 في المائة، ومن عمر 10 إلى 14 بلغ 1.9 مليون نسمة بنسبة تبلغ 9.3 في المائة، ومن عمر 15 إلى 19 بلغ 1.8 مليون بنسبة 8.8 في المائة ومن عمر 20 إلى 24 عاما بلغ مليوني نسمة بما يعادل 9.9 في المائة، ومن عمر 25 إلى 29 عاما بلغ 1.9 مليون نسمة بما يعادل 9.5 في المائة.
ماذا تعني هذه الأرقام والنسب؟ حسب بعض المعايير والمقاييس الإحصائية، تقسم المجموعات كالآتي، من 0 إلى 14 عاما، وهي الفئة العمرية التي يطلق عليها عمر الأطفال، ومن عمر 15 إلى 24 عاما فئة عمر العمل المبكر، ومن عمر 25 إلى 54 فئة عمر العمل الأساسي، ومن عمر 55 إلى 64 فئة العمل الناضجة، وإلى آخره. ما يهمنا هنا هي الفئات الثلاث الأولى، فهي أساس المستقبل، خصوصا الفئتين الأولى والثانية. لدينا في السعودية من يصنفون أطفالا يقدرون بـ6.3 مليون طفل، أي ما يعادل 30 في المائة من الشعب السعودي. وفي فئة العمل المبكر 3.8 مليون شخص، ما يعادل 18 في المائة من السعوديين. وبالنسبة إلى فئة عمر العمل الرئيس، فيقدر عددهم بـ8.5 مليون نسمة بما يعادل 41.3 في المائة من السعوديين.
هذه الأرقام تشير بشكل واضح إلى أن هيكلة المجتمع السعودي ما زالت تتمتع بالشباب، وأن هناك عددا كبيرا من السعوديين سيكونون خلال الأعوام العشرة المقبلة جاهزين أو انخرطوا في سوق العمل، ويقدر عددهم بين خمسة وثمانية ملايين شخص، بخلاف من ينتظرون دورهم اليوم ويبحثون عن وظائف، وهنا تكمن المشكلة وتكمن القوة. المشكلة في إيجاد الوظائف وتقليل البطالة، والقوة في امتلاكنا طاقات بشرية ما زالت في النظام التعليمي، نستطيع تطويرها وتجهيزها لتنافس وتساعد على بناء الاقتصاد السعودي الجديد، مع بحث الدول عن الطاقات البشرية "المؤهلة" لسد حاجات سوق العمل وإكمال المنظومة الاقتصادية للإنتاج. لدينا في السعودية طاقات ما زالت خامة وتحتاج إلى توجيه وإعداد نظام بيئي تعليمي تدريبي يجعل منهم قوة تساعد اقتصاد الوطن.
عند مقارنة النسب للمجموعات العمرية مع كثير من دول العالم، نجد لدينا تميزا في هذه النقطة. فمثلا، في الهند، وهي دولة يتوقع لها أن تكون الثانية أو الثالثة في أكبر اقتصاديات العالم، نسبة فئة الأطفال في حدود 27 في المائة، ونسبة فئة العمل المبكر 17.9 في المائة، أما بالنسبة لدولة صناعية، مثل كوريا الجنوبية، فنسبة الأطفال لا تتجاوز 13.1 في المائة، وفئة العمل المبكر 12.6 في المائة، أما الولايات المتحدة، فنسبة الأطفال 18.6 في المائة والعمل المبكر 13 في المائة. هذه أمثلة فقط للقياس السريع، ولم أتطرق إلى دول مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا واليابان، حيث الوضع أكثر سوءا من ناحية النسب، لهذا يتضح أن لدينا ميزة، لكن من دون استغلال هذه الميزة واستثمارها بشكل سليم، وكلما تأخرنا ستتفاقم المشكلة، فهذا الجيل الجديد من أبنائنا يجب إعداده بشكل يختلف عما تم لنا.
المستقبل والسوق والوظائف تتغير، والتقنية تلعب دورا ضخما فيها. يجب وضع كل ذلك في الحسبان. يجب أن نبدأ من حيث توقف الآخرون، لا أن نبدأ من حيث بدأوا. الاستثمار يبدأ من التعليم وإصلاحه بما يتوافق مع سوق العمل، لكن ليس لسوق العمل اليوم، إنما بما يتوافق مع سوق العمل غدا. يجب ربط التعليم ومخرجاته مع أهداف "الرؤية" لسوق العمل والاقتصاد. بحلول عام 2030 سيوجد لدينا ما يقارب ثمانية ملايين سعودي من الجيل الجديد دخلوا أو أصبحوا جاهزين لسوق العمل. رقم كبير جدا يجب أن يؤخذ بجدية كاملة ويعد له من اليوم ولا نتعامل معه بأسلوب المفاجأة ومحاولة معالجتها بعد أن يصبح واقعا. صحيح أنه في الوقت نفسه سيتقاعد من سيستحقون التقاعد وقتها، لكن هم ليسوا بالعدد الكبير. حسب الإحصائيات من سيستحقون التقاعد خلال الأعوام العشرة المقبلة لا يتجاوزون ثلاثة ملايين شخص. إذن، وبحسبة مبسطة وليست دقيقة تماما، نحتاج إلى إيجاد أكثر من خمسة ملايين وظيفة.
اليوم، نملك الحلول والأدوات، لكن نحتاج إلى تكامل من عدة جهات حكومية، ولا يجب إلقاء العبء على جهة واحدة، بل يجب أن تدار على مستوى عال من الحكومة، وهنا لا أتكلم فقط عن إيجاد وظائف لهم، بل كيفية استثمارهم بشكل أفضل من ذلك، وكيف نجعلهم ينافسون في المستوى العالمي وليس في الاقتصاد المحلي فقط ليكونوا العقول المنتجة والقادرة على تحدي التنافس الجديد بالعقول.

إنشرها