أم سعد
في إحدى الدورات التدريبية التي قدمتها طلبت من المتدربات المشاركة بقصص من حيواتهن، بحيث تكون ملهمة للأخريات وتمنحهن مساحة كبيرة للتأمل. تقدمت "أم سعد"، امرأة في بداية الستينيات من عمرها تنطق ملامحها بالصمود وبكثير من تفاصيل خيبات الأمل، وبدأت في نثر فصول حكايتها أمامنا وكأنها تسحب من أعماق قلبها شرائط ذكريات لفت بعناية.
"تزوجته حين كنت في الـ 15 من عمري، رضيت بظروفه المادية الصعبة، وبالعناية بوالده المسن الذي كان يعاني مرضا نفسيا. مرت السنون بكل تقلباتها الحزينة والسعيدة، وأنجبت منه عشرة أبناء وبنات، وتحملت كل ما مر بحياتنا من منعطفات وعثرات وضيق ذات اليد والاهتمام بوالده الذي كان يستغرق مني جهدا وصبرا عظيمين.
بعد 32 عاما، دخل علي ذات يوم وهو يمسك بيد فتاة في الـ 16 من عمرها، ودون أي مقدمات قال لي: "هذه زوجتي الجديدة أريدك أن تعامليها كواحدة من بناتك"، وكأن محبته في قلبي لحظتها أصبحت مثل شعرة سلت من عجينة ورميت جانبا، ولمدة خمس سنوات تحملت دلاله لزوجته أمامي وميله لها قلبا وفراشا ومعاملة وكأني غير موجودة. حين انهدت قواي بين أعمال البيت والعناية بوالده وعدم تقديره لكل ذلك، طلبت منه أن يختار بيني وبينها أو أن يخرج هو وإياها ويدعني في بيتي مع أبنائي ووالده، وبكل بساطة رمى يمين الطلاق علي بعد عشرة 32 عاما. كان الأمر مؤلما، ولكني تماسكت من أجل أبنائي وقررت ألا أسمح له بتحطيمي فما زال هناك من يحتاج إلي، وخرجت مع أبنائي من المنزل، وأخذت والده المسن المريض معي ابتغاء وجه الله تعالى، فقد أخبرني صراحة بأنه لن يهتم بوالده وسيفتح باب الشارع له ويدعه لمصيره، فزوجته الغضة لن تتحمل رعاية رجل عجوز مريض نفسيا!
مرت عشر سنوات أفاء الله بها علي بنعم وافرة عظيمة لم أكن أحلم بها يوما ما، فقد امتلكت منزلا خاصا بي، وكتب الله النجاح لمشروعي البسيط، وتزوج بعض أبنائي. انتقل والد طليقي إلى رحمة ربه وهو يدعو لي، ومرض زوجي وساءت أخلاق زوجته معه، وأنا الآن فتحت أبواب منزلي له فهو لا يتناول طعامه إلا معنا لكني رفضت الرجوع إليه!
حين سألتها: لماذا لم تردي له إساءته بمثلها حين احتاج إليك وكنت الأقوى؟
أجابت: لأني أبتغي ما عند الله وحده!
أيها القراء، هل رأيتم امرأة متصالحة مع ذاتها ومتسامحة مع ظروفها مثل هذه؟!