انتخابات إندونيسيا تحدد رئيس البلاد
انشغال العالم بالأزمة الأوكرانية، وفقدان الطائرة الماليزية، والمفاوضات النووية مع إيران، والحرب المستعرة في سورية، وانتخابات الهند والجزائر ومصر والعراق، لم تترك للمراقبين والمحللين فرصة متابعة الانتخابات التشريعية في إندونيسيا، كبرى ديمقراطيات العالم الإسلامي، وثالث أكبر ديمقراطية في العالم التي انطلقت في التاسع من نيسان (أبريل) الماضي لاختيار 560 عضوا لمجلس الشعب، إضافة لاختيار أعضاء المجالس التشريعية والبلدية لكل مقاطعة.
حدث هذا على الرغم من أن هذه الانتخابات تكتسب أهمية بالغة لأن نتائجها النهائية ستحمل مؤشرات لما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في التاسع من تموز (يوليو) المقبل. وهي الانتخابات الثالثة لاختيار رئيس البلاد مباشرة من قبل الشعب بحسب التعديلات الدستورية التي تم إقرارها في عام 2008. والمعروف أن تلك الإصلاحات تضمنت أيضا قطع الطريق على أي رئيس منتخب لتولي رئاسة البلاد أكثر من فترتين رئاسيتين مدة كل واحدة خمس سنوات، إضافة إلى اشتمالها على مادة تنص على أنه يحق فقط للحزب أو ائتلاف الأحزاب الذي يمتلك ما لا يقل عن 20 في المائة من مقاعد مجلس الشعب أو الذي حصل على نسبة 25 في المائة من أصوات الشعب في آخر انتخابات تشريعية أن يتقدم بمرشحه للسباق الرئاسي "هناك انتقادات كثيرة لهذه المادة الدستورية، لأنها تعيق ترشح من لا يحظى بدعم الأحزاب السياسية الكبيرة لمنصب الرئيس". والمعروف أيضا أن الإندونيسيين حينما يذهبون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيسهم ينتخبون معه أيضا نائبه أي كما هو الحال في الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية وأفغانستان.
ولأن الرئيس الإندونيسي الحالي الجنرال "سوسيلو بامبانج يودويونو" قاد بلاده لفترتين رئاسيتين متتاليتين فإنه لا يحق له البقاء في السلطة، على الرغم من إنجازاته المشهودة، وعلى رأسها وضع البلاد على سكة الديمقراطية من بعد مخاض عسير، وإعادة الاستقرار والأمن، وضرب خلايا الإرهاب، وتحقيق بعض النمو الاقتصادي. لكن شعبية يودويونو، وبالتالي شعبية حزبه "الحزب الديمقراطي" تضررت كثيرا بقصص الفساد التي حامت حول رجاله ومسؤولية، ناهيك عن أنه خلال فترتيه الرئاسيتين اتسعت الهوة ما بين الأغنياء والفقراء ولوحظت مظاهر التوزيع غير العادل للثروة. هذا عدا فشله في تحقيق ما وعد به الإندونيسيين في حملته الرئاسية الثانية في 2009 حينما قال لهم إنه سيخفض نسبة الفقر من 14 في المائة إلى 8 في المائة بحلول 2014.
والمعروف أن أعداد الإندونيسيين الذين يعيشون تحت خط الفقر وصلت إلى 11,5 في المائة من إجمالي السكان بسبب قرار إدارة يودويونو يرفع الدعم الحكومي عن المحروقات في العام الماضي، وبسبب ارتفاع نسبة البطالة إلى 6.25 في المائة في آب (أغسطس) 2013 من بعد أن كانت 5,9 في شباط (فبراير) من العام نفسه. وتقول مصادر البنك الدولي إن 16 في المائة من الإندونيسيين يعيشون بأقل من 1.25 دولار يوميا، و43 في المائة منهم يعيشون بأقل من دولارين.
ومن هنا فإن الإندونيسيين على موعد مع شخصية جديدة تحكم بلادهم ذات الأرخبيل الشاسع "17 ألف جزيرة" والكثافة السكانية الهائلة "225 مليون نسمة" والعدد الضخم ممن يحق لهم الاقتراع "186 مليون نسمة" خلال السنوات الخمس المقبلة. وقد رجحت كل التكهنات والتقارير أن يكون الرئيس المقبل هو حاكم جاكرتا الحالي "جوكو ويدودو" البالغ من العمر 52 عاما والمنتمي إلى "الحزب الديمقراطي الإندونيسي من أجل النضال" الذي تتزعمه الرئيس الأسبق للبلاد وابنة أول رؤساء إندونيسيا بعد الاستقلال السيدة "ميجاواتي سوكارنوبوتري"، وذلك بسبب شعبيته الجارفة وقربه من الفقراء ودعمه للعمال البسطاء. غير أن النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، لئن أكدت تراجع شعبية الحزب الحاكم، وأبرزت في المقابل تقدم أحزاب المعارضة، فإن ما حصل عليه الحزب الذي ينتمي إليه "جوكو ويدودو" كان أقل من 20 في المائة، وهو ما يفرض على هذا الحزب التودد إلى أحزاب أخرى من أجل الائتلاف معها وإنجاح عملية دفع "ويدودو" نحو السباق الرئاسي. وفي مقابلة صحافية للأخير قال إن أسباب تراجع حزبه غير المتوقع كان بسبب عدم قدرته على مجاراة الآخرين في حجم الإنفاق الدعائي وعدم معرفة مقترعين كثر بخبر ترشيحه من قبل حزبه ليكون رئيسا مقبلا للبلاد. وفي المقابلة نفسها اعترف "ويدودو" بأن التركة التي سيورثها من الرئيس يودويونو -في حال فوزه بالرئاسة- ستكون ثقيلة، وأن الأوضاع الإقليمية المحيطة ببلاده صعبة والمتغيرات الدولية سريعة، الأمر الذي يتطلب منه الانفتاح على كافة التيارات والأحزاب من أجل تشكيل حكومة قوية تحظى بدعم برلماني ساحق، مضيفا أنه من أجل ذلك لا يمانع أن يكون المترشح لمنصب نائب الرئيس على تذكرته الانتخابية من أي حزب سياسي آخر -بما فيه الحزب الديمقراطي الحاكم أو حزب جولكار الذي أسسه وقاده الديكتاتور السابق سوهارتو- ولا يهمه إن كان عسكريا أو مدنيا.
من جهة أخرى، أبرزت النتائج الأولية للاقتراع التشريعي تحقيق أحزاب الإسلام السياسي -مثل حزب اليقظة الوطنية، ونهضة العلماء، وجماعة المحمدية- لنتائج طيبة مقارنة بما حققته في انتخابات 2009. لكن العديد من المراقبين يعزون ذلك إلى تذمر الناخبين من فشل الأحزاب العلمانية والليبرالية وعجزها عن لجم الفساد، وليس بسبب رغبتها في أسلمة نظام الحكم في البلاد. وعلى أي حال فإنه لم يثبت قط أن وضعت أحزاب الإسلام السياسي في إندونيسيا مسألة تطبيق الشريعة على رأس برامجها الانتخابية، وإنما كانت هذه المسألة تحتل دونما مراتب متأخرة، ناهيك عن أن هذه الأحزاب تتفهم طبيعة الشعب الإندونيسي الميال للفرح والحبور، والابتعاد عن الغلو والتشدد بدليل أن "حزب اليقظة الوطنية" الإسلامي، المدعوم من كبرى المنظمات الإسلامية وهي منظمة "نهضة العلماء" التي يبلغ تعداد أعضائها نحو 40 مليون نسمة، يراهن على ترشيح المغني الشعبي "روما إيراما" للسباق الرئاسي المقبل.
ونختتم بالإشارة إلى أن عدد الأحزاب الإندونيسية المسجلة رسميا هو 46 حزبا، لكن عدد الأحزاب التي سمح لها فعلا بالاشتراك في السباق التشريعي كان 12 حزبا فقط، إضافة إلى ثلاثة أحزاب تمثل إقليم أتشيه المتمتع بالحكم الذاتي. والسبب هو أن أحزابا كثيرة لم تستطع الوفاء بشروط دخول حلبة التنافس على المقاعد البرلمانية التي من بينها: أن يكون للحزب فرع في كل مقاطعة من مقاطعات البلاد، أن يكون للحزب على الأقل ألف عضو مسجل، أن يكون للحزب مكاتب "دائمة أو غير دائمة" على الأقل في 50 في المائة من البلدات التابعة لكل مقاطعة، وأن يكون ثلث مرشحي الحزب في الانتخابات من النساء.