مستقبل أسعار الغذاء واستراتيجية الزراعة في المملكة

في صحيفة ''الديلي تلغراف'' البريطانية توقع بعض الخبراء أن تتضاعف أسعار الغذاء ثلاث مرات، وأشارت الصحيفة إلى أن سلعاً غذائية مثل اللحوم والكاوكاو يمكن أن تكون من السلع الخاصة بالأثرياء بدلا من الحالة السائدة اليوم أنها متاحة في كثير من دول العالم للجميع، وأشارت في ذلك إلى مجموعة من الأسباب: منها تنامي الطلب من دول شرق آسيا، وهي دول ما يسمى بالأسواق الناشئة التي بدأت تشهد نمواً اقتصادياً وتحسناً في الأحوال المعيشية لدى شريحة كبيرة في المجتمع، إضافة إلى النمو المتوقع في عدد السكان الذي قد يصل إلى أكثر من تسعة مليارات قبل عام 2050، كما أن مؤسسة أوكسفام المعروفة بالأعمال الإنسانية حول العالم تتوقع أن تشهد أسعار الغذاء ارتفاعاً يصل إلى الضعف قبل عام 2030، وذلك له انعكاسات سلبية كبيرة، كما ترى المؤسسة على الحالة السائدة في الدول الفقير التي ستتضاعف معاناتها مع هذه الحالة من الارتفاعات المتتالية الأسعار، كما أن بعض التقارير تشير إلى أن أحد أسباب الارتفاعات مستقبلا هو آثار التغير المناخي الذي سيؤدى إلى زيادة احتمالات وجود الجفاف أو الكوارث مثل الفيضانات في بعض مناطق العالم الذي سيؤثر في وفرة المحاصيل الزراعية.
لا شك أن المسؤولين وأصحاب القرار في المملكة لديهم هاجس في مسالة الأمن الغذائي والأمن المائي، فالمعادلة بين الخيارين صعبة جدا، واختيار أحدهما في مقابل الآخر لا شك أن له انعكاسات ستؤثر في المجتمع، ولكن مع تزاحم الأولويات، والوصول إلى الخيارات الصعبة يكون صاحب القرار أمام تحد كبير لمعالجة الانعكاسات المحتملة على هذا القرار، فلو تم تقليص الدعم الزراعي للعمل على تحقيق الأمن المائي فسيكون لذلك أثر كبير في وفرة وأسعار الغذاء، وإذا ما استمر الهدر الذي نشاهده يوميا في استنزاف الثروة المائية للمملكة من أجل تحقيق الأمن الغذائي فسيكون لذلك أثر ليس فقط على وفرة المياه، بل حتى على استنزاف ثروات أخرى مثل الطاقة.
الزيادة السكانية الكبيرة للمملكة، وزيادة الطلب على السلع والخدمات، والاعتماد بشكل كبير على البترول كمورد وهو مورد غير متجدد وأسعاره يحتمل أن تتقلب، كل ذلك يجعل التحديات على المجتمع وصاحب القرار كبيرة، ولكن السؤال هنا هل يمكن الموازنة بين الأمن الغذائي والمائي؟
لا شك أن المسألة ليست بالأمر السهل الذي يمكن أن يتم إقراره في جلسة أو اجتماع، ولكن من المهم العناية بأمور قد يكون لها أثر في تخفيف آثار القرار أيا كان ومنها:
أهمية العناية باستخدام التقنيات الحديثة في تخفيف هدر الموارد غير المتجددة للدولة، مثل المياه والطاقة وغيرها من الموارد الطبيعية، حيث يتحدث البعض أن إنتاج لتر من الحليب الذي يتناوله المستهلك اليوم يحتاج إلى ما يزيد على 25 لترا من الماء، والكيلو الواحد الذي ينتج من اللحوم محليا يكلف الكثير من الماء، والبعض يرى أنه بالإمكان عدم تربية الماشية محليا والاكتفاء باستيرادها للحد من هذا الاستنزاف، فاستخدام التقنيات الحديثة قد يخفض استنزاف هذه الثروات إلى نسبة قد تصل إلى الربع.
أهمية النظر في استراتيجية دعم السلع والخدمات، إذ إنها في الغالب اليوم يتم الدعم للجميع بغض النظر عن حجم الاستهلاك، فسعر الوقود رخيص جدا سواء كان للاستخدام التجاري أو للأفراد، كما أن استهلاك القليل أو الكثير يتم بالسعر نفسه دون فرق بين من يستهلك أكثر أو أقل. وهذا يشجع بشكل كبير على الهدر، خصوصا عندما نجد أن بعض الشركات والمصانع تبالغ في استنزاف الموارد والثورات الطبيعية، إضافة إلى أن بعض أفراد المجتمع يبالغ في الإسراف في المناسبات، التي يستفيد منها من انخفاض تكلفة بعض السلع التي تدعمها الحكومة، وهذا يجعل الدعم لا يصب في الهدف منه. ولذلك من المهم التفكير في طريقة تقديم الدعم للسلع والخدمات بقدر الحاجة لكل مواطن على حدة، وإذا رغب البعض في المبالغة في الاستهلاك فينبغي أن يتحمل تبعة ذلك، إضافة إلى أن الدعم بصورة شاملة لا يصل إلى المواطن بصورة خاصة وهو المستهدف بالدعم بل يصل إلى كل من يقيم سواء كان من رجال الأعمال أو زائرا أو موظفا من غير المواطنين، ومعلوم أن الهدف من الدعم تخفيف العبء المالي على المواطن بصورة خاصة.
أهمية النظر في تصدير السلع التي يصل إليها شيء من الدعم، حيث إن الأمن الغذائي يستهدف المواطن وليس لدعم الشركات لتصدير منتجاتها والاستفادة من هذا الدعم لزيادة تنافسيتها في الأسواق الأخرى، ولذلك ينبغي التفكير في منع تصدير السلع المدعومة، أو على الأقل فرض رسم يتناسب مع حجم ما يقدم من دعم لإنتاج هذه السلع.
الخلاصة أن مسألة الاختيار بين الأمن الغذائي والأمن المائي قرار صعب له تبعاته، والقدرة على الموازنة لتحقيق الحد الأدنى من الأمن الغذائي مع الحفاظ على الثروة المائية هي الخيار الأمثل إذا ما تم ذلك من خلال اتخاذ خطوات تحد من استنزاف الثروة المائية والإسراف في الاستهلاك للغذاء والماء، من خلال تعزيز الاعتماد على التقنيات الحديثة، والدعم الذكي للسلع، والحد من تصدير السلع المدعومة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي