لندن والمنافسة على استثمارات التمويل الإسلامي
تحت عنوان ''علاقات جديدة في عالم متغير'' Changing World, New Relationships انطلق المنتدى التاسع للاقتصاد الإسلامي في لندن في الفترة بين 29 إلى 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2013 بحضور ومشاركة على مستوى عال من السياسيين والاقتصاديين في العالم، حيث حضرها الملك عبد الله الثاني ملك الأردن والأمير سلمان بن حمد بن خليفة ولي عهد البحرين ورئيس وزراء ماليزيا محمد نجيب عبد الرزاق ورئيس وزراء المملكة المتحدة ديفيد كاميرون الذي تستضيف بلاده المنتدى التاسع، إضافة إلى مجموعة من الرؤساء ورؤساء الوزراء وكثير من المسؤولين من مختلف دول العالم الإسلامي.
هذا التجمع الكبير يوحي بنظرة جديدة تجاه الاقتصاد الإسلامي على المستوى السياسي، لكي يكون خيارا إضافيا ومساندا للأنظمة الاقتصادية السائدة، إضافة إلى الانفتاح الكبير على مستوى الأنظمة في العالم لاستقطاب الاستثمارات المتوافقة مع الشريعة، والحرص على تعزيز البيئة التنظيمية والاستثمارية، حيث تتناسب مع احتياجات الاستثمارات المتوافقة مع الشريعة، فقد تحدث ديفيد كاميرون عن أنه شُكل فريق عمل على مستوى وزاري معني بالتمويل الإسلامي، وذلك في إطار سعيها لتكون مركزا مهما لاستقطاب استثمارات التمويل الإسلامي، وهي تسعى لتهيئة بيئة أفضل لعمل المؤسسات المالية الإسلامية، وتعمل على إطلاق مؤشر إسلامي ببورصة لندن للشركات التي لا تتعامل بالربا أو الأنشطة المحرمة مثل الكحول والقمار وشراء الديون، إضافة إلى أنها تعمل على إصدار الصكوك لتكون أول دولة خارج العالم الإسلامي تصدر الصكوك.
اهتمام لندن بالتمويل الإسلامي ليس وليد اللحظة بل كان ذلك قبل أكثر من عقدين، إذ بدأ نشاط بعض المؤسسات المالية الإسلامية بها في تسعينيات القرن الماضي، وتطور الاهتمام بالتمويل الإسلامي إلى أن أصبح برنامجا أكاديميا معتمدا في جامعات مرموقة في المملكة المتحدة، إضافة إلى المراكز الاستشارية المتخصصة، ومراكز التدريب المتقدمة في مجال التمويل الإسلامي.
هذا الاهتمام بالتمويل الإسلامي في المملكة المتحدة قد يكون له مجموعة من الأسباب، منها: وجود أقلية مسلمة ببريطانيا حريصة على أن تجد بدائل لخدمات التمويل التقليدي، سواء كانت الخدمات البنكية أو التمويل والاستثمارات المالية، كما أن انفتاح المملكة المتحدة على دول العالم خصوصا العالم الإسلامي سواء كان ذلك ثقافيا أو سياسيا أو اقتصاديا، والحرص على تهيئة البيئة لاستقطاب الاستثمارات، إضافة إلى أن التمويل الإسلامي اليوم حقق مزيدا من الثقة في الاقتصاد العالمي، وهذا ما جعل المملكة المتحدة تهتم بأن تجعله جزءا من منظومتها الاقتصادية.
في هذه الفترة يوجد من ينظر إلى مثل هذا التوجه لدى الدول الغربية على أنه موضع ريبة، حيث إنها لم تقبل بالتمويل الإسلامي إلا لتحقيق مصالح لها بالاستفادة من تدوير ثروات الشرق الأوسط، خصوصاً ما يطلقون عليه عملية جذب استثمارات البترودولار، وكأنهم يرون أن الغرب يريد أن يستأثر بمكتسبات دول الشرق الأوسط على حساب التنمية في تلك الدول، والحقيقة أننا عندما ننظر إلى حجم التمويل الإسلامي مقارنة بحجم التمويل التقليدي الذي يتجاوز الـ 100 تريليون دولار نجد أن التمويل الإسلامي لا يتجاوز 1 أو 2 في المائة مقارنة بحجم الاستثمارات المالية العالمية، ولا أظن أن هذه النسبة مغرية لتجعل بعض الدول تتنازل عن مبادئها وقيمها الاقتصادية، كما أنه لو فرضنا جدلا أن هذه النظرية صحيحة فإن الإسلام يقدم رسالة عالمية في الإيمان والقيم والأخلاق والاقتصاد، ورسالة الإسلام ليست عبارة عن حقوق فكرية للمسلمين فقط، بل إن الإرث الثقافي الإسلامي كان له الأثر في سلوك وثقافات أمم متعددة حول العالم، ولذلك للعالم الحق في أن يستفيد من المبادئ والقيم الإسلامية في الاقتصاد، خصوصا عندما نعلم أن التجارة هي مكتسب إنساني لا يختص بمجتمع، ولكن الإسلام سعى إلى تهذيب هذا السلوك لتحقيق العدالة الإنسانية، فممارسة التجارة ليست في ذاتها عبادة.
كما أن بعض الدول الغربية لها مصلحة في استقطاب الاستثمارات المتوافقة مع الشريعة، فالمؤسسات الإسلامية تحقق مصالح ومكاسب كبيرة من خلال الاستثمار في أسواق أكثر استقرارا وتحقق نموا جيدا في المستقبل، إضافة إلى أنها قد تتيح لها فرصا أكبر على المستوى العالمي، وتقديم خدمات بنكية واستثمارية للمسلمين المقيمين في تلك الدول. إن النظرة لاقتصاد التمويل الإسلامي اليوم بدت أكثر إيجابية على المستوى العالمي، وهذا ما قد يعزز من كفاءتها ونموها، ويتطلب أن تكون المؤسسات المعنية بتطوير البنية الاقتصادية والمالية في الدول الإسلامية أكثر جدية في تهيئة البيئة التشريعية والتنظيمية للتمويل الإسلامي.