حوافز الحرب ضد غسيل الأموال

يحمل قرار مجلس الوزراء السعودي منح مكافآت مالية للمبلغين عن عمليات غسيل الأموال، وتلك التي تصب في ''قطاع'' الإرهاب المقيت، الكثير من الدلالات، وفي مقدمتها حرص المملكة على اتباع كل الوسائل التي تؤدي في النهاية إلى إحكام قبضتها على هذا النوع من الجرائم. وهي في الواقع جرائم، تشارك فيها ''دون خجل'' مؤسسات مالية ومصرفية كبرى، تتسيد المشهد المصرفي العالمي، إلى جانب حكومات مارقة، مكونة من قُطاع طرق، لا سياسيين. ويأتي هذا القرار أيضاً، في ظل قفزات نوعية حققتها السعودية في هذا المجال، تجاوزت في محطات كثيرة جودة دول كبرى في حربها ضد غسيل الأموال، في وقت أصبح فيه هذا النوع من الجرائم يشكل اقتصاداً موازياً عالمياً فظيعاً، في ناتجه وخرابه. إنه ناتج يقدم للإنسانية جرائم متعددة، تبدأ بالإرهاب، ولا تنتهي عند الاتجار بالبشر والمخدرات والرِّشا، ونهب الأموال العامة، وسرقة مقدرات شعوب بأكملها.
ولأن الأمر يتعلق بجريمة، فقد جاءت المكافأة السعودية، مشابهة لتلك المكافآت التي تمنح عادة للمرشدين عن مرتكبي الجرائم بكل أنواعها. وهي حافز يُحيي الواجب الوطني، أو ينشطه لدى الفرد. وهو مطلوب في كل الأوقات وعلى مختلف الصعد. وجرائم غسيل الأموال، ليست قاصرة على مصارف ومؤسسات وشركات كبرى، بل إنها في بعض الأحيان تكون أكثر نجاحاً على صعيد المعاملات المالية والتجارية الصغيرة والمتوسطة. فحتى المؤسسات الكبرى تلجأ إلى الصغيرة، عندما ترتفع حدة المراقبة والحصار حولها. فقد استخدمت مصارف كبرى، صرافين أفرادا في بعض العمليات لتنفيذ جرائمها، ولتمرير مبالغ صغيرة لكنها قابلة للتراكم لكي تتحول إلى كبيرة ومتعاظمة. وأخيرا اكتشفت السلطات في عدد من دول الخليج العربي، حتى بقالات تعمل في غسيل أموال لمصلحة حزب الله اللبناني الإرهابي، وذلك بعد قرار مجلس التعاون الخليجي بتضييق الخناق على هذا الحزب التابع بالكامل لإيران.
جرائم غسيل الأموال متجددة ومتعددة، وإذا ما أُريدَ بالفعل حرب ناجعة وناجحة ضدها، فلا بد من أن تكون حرباً شاملة تغوص بالتفاصيل مثلما تتعاطى مع العناوين. وتخصيص المكافآت لمن يُبلغ أو يرشد عن هذا النوع من الجرائم، جزء أصيل من هذه الحرب، ولا سيما أن القرار السعودي، مشروط بقواعد وأسس، وعلى رأسها أن المكافأة ترصد من خلال حكم قضائي مستقل للمُبلِغ ''من غير العاملين في المؤسسات المالية، والأعمال والمهن غير المالية المحددة، والمنظمات غير الهادفة للربح''. إضافة إلى مجموعة من النقاط، بما فيها، منح المكافأة بصورة عادلة لأكثر من طرف، إذا ما كانت عملية التبليغ متعددة الأطراف. كما أن المكافأة ستُمنح حسب مستوى وأهمية المعلومة التي تصل إلى السلطات بهذا الخصوص. وكل ما يتم تقديمه، مرتبط بمدى الاستناد إليه في الملاحقة القضائية المستقلة العادلة. وسواء كانت المكافأة 5 في المائة ''كما جاء في القرار'' أو أقل أو أكثر من ذلك، فإن خطوة المسؤولين السعوديين هذه، يمكن أن تكون دافعاً لعديد من الدول الأخرى التي تخوض حرباً حقيقية ضد جرائم غسيل الأموال وروابطها، لاعتمادها.
تتطلب مكافحة جرائم غسيل الأموال القذرة والمشينة والمخرِبة، التحرك المتواصل. والحوافز في هذا المجال تسير بصورة متناغمة مع الاستراتيجية التي ينبغي أن تكون متغيرة ومتجددة، للوصول إلى أعلى مستوى تمهيداً للقضاء نهائياً على هذا النوع من الجرائم. في الحرب ضد العصابات، يتطلب الأمر أحياناً التفكير مثلها، دون القفز بالطبع على القوانين المعمول بها. إنها حرب يستخدم المجرمون فيها كل الأسلحة المعروفة وغير المعروفة، ويبتكرون أدوات جديدة دائماً. مع التأكيد هنا، على أن مكافأة التبليغ عن جرائم وعمليات غسيل الأموال، ليست مالية فحسب، بل هي وطنية أيضاً. فمن واجب الأفراد أن يحموا مجتمعهم بالمكافآت وغيرها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي