إنسانية الإنسان من المقاصد الشرعية
نقصد بإنسان الإنسان ماهيته التي بها كان إنسانا ولم يكن شيئا آخر والتشريع الإسلامي جاء معززا في مقاصده العليا لحفظ إنسانية الإنسان متجاوزا بذلك المعنى المشهور بحفظ النفس في معناه المادي فقط، بل إن إنسانية الإنسان تقوم بحفظ المقومات الرئيسية التي يتكون بها في بعديه المادي والروحي على حد سواء. ومن خلال نظرة عاجلة في كتب المقاصد نجد أن علم المقاصد في الشريعة الإسلامية تطور في إضافة بعض الأبعاد المعنوية سواء فيما يتعلق بحفظ النفس أو العقل، كما اعتنى بمفهوم الإنسانية والمقومات الرئيسية التي تقوم عليها وهي الفطرة متمثلة في عناصر التكوين الإنساني المادي والمعنوي, وغائية الحياة التي تشعر الإنسان بحقيقة حياته وقيمة وجوده, والإحساس بالكرامة والعزة الذي بدونه يكون ملازما للمهانة والحقارة, ورابعها الحرية التي تثمر الشعور بالذات وتدفع إلى الفعل الإيجابي. وأيما مقوم من هذه المقومات انهدم في الكيان الإنساني يكون قد انهدم بانهدامه جزء من إنسانيته، فإذا ما انهدمت جميعا تلاشى المعنى الحقيقي للإنسانية وانهدام ما يترتب عليها من تكاليف, ولذلك فقد جاءت الشريعة المطهرة بالحرص على هذه المقومات حفظا لإنسانية الإنسان وحفظا من وراء ذلك لأن يقوم الإنسان بما كلف به من مهمته في إعمار بطريقة متجانسة تجمع بين إشباع الروح والجسم، وهذه المعاني الأساسية في علم المقاصد كانت تذكر في مواضيع ضيقة ولكن مع تطور هذا العلم أصبح البحث في الجانب الروحي أمرا مهما خاصة في هذه العصر الذي هجم الناس فيه على الحياة المادية ما أفقدهم التوازن الروحي وتناسوا خصال التركيب الإنساني المادي والمعنوي والتي ليست في أي مخلوق آخر من المخلوقات الكونية, والذي يتأمل نصوص رعاية هذه المبادئ يجد أنها أوجبت حفظ الكرامة ومنعت كل ما يستنقص منها حتى في جثث الموتى ''حرمة الميت كحرمته حيا'' كما ورد ذلك عن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ.
إن الموازنة في إشباع مطالب مقتضيات الجسم ومقتضيات الروح مقصدا من المقاصد الضرورية للشريعة الإسلامية لم نجد من يشير إليها إلا القليل من العلماء، بل نكاد نجد أن المقاصدين القدامى يكادون يقتصرون في بيان حفظ النفس على أحكام القصاص وما شابهها للتمثيل لأحكام حفظ النفس اقتصارا منهم على حفظ العنصر المادي مع أن النفس البشرية تتكون من جسم وروح، وكما أن للجسم أسبابا يكون بها ضعفه وهلاكه فكذلك الروح، فالحزن والاضطراب الفكري والشعور بالمهانة والأمراض النفسية أسباب للضعف ولهذا نجد أن الشريعة الإسلامية أمرت بالمحافظة على إبقاء الروح بعيدا عن كل أمراضها, وجاء في السنة المطهرة الاستعاذة من هذه الآفات النفسية التي تحطم إنسانية الإنسان: (اللهم أني أعوذ بك من الهم والحزن, وأعوذ بك من الجبن والبخل, وأعوذ بك من العجز والكسل, وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال).
وقد أشرت في مقال سابق عن السلام النفسي والانسجام الذاتي وهذا من حفظ النفس بالأمن النفسي، لأن النفس السوية لا تكون قوية إلا إذا نعمت بالطمأنينة والأمن ولكن الخوف والاضطراب واتساع دائرة الشك تتقلص فيه الإنتاجية الفردية خاصة والمجتمعية عامة.
إن الاعتناء بالمفاهيم الحديثة ذات الأبعاد الجديدة تعالج كثيرا من الخلل في القضايا التي نلمسها سواء في الفقه المعاصر بكل جوانبه في الأمور الطبية والنفسية أو فقه الأقليات والأولويات. أو فقه المرافعات والتقاضي, وتعزز كيفية النظر إلى الناس بما يساعد في حفظ إنسانيتهم في أبعادها الأربعة الرئيسية وهي:
حفظ الفطرة بإشباعها ومنعها من التبديل والاضطراب، وحفظ الشعور بالكرامة الإنسانية، وحفظ غائية الحياة, وحفظ الحرية الإنسانية.
أعود وأكرر للقارئ الكريم أن هذه المعاني الإنسانية هي جزء من معالم المقاصد الشرعية في أبعادها الجديدة وإن كانت سابقا في الأصل مبثوثة في كتب متفرقة في مسائل جزئية، وقد تطرق في بعض منها ابن عاشور في كتابه المقاصد وكذلك الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه الممتع (المقاصد). ولعل علماءنا ومشايخنا ينظرون إلى هذه المعاني بشيء من الاعتبار لعلها أن تضفي على الرؤية الشرعية أبعادا روحية تجعل الحياة أكثر سعادة وطمأنينة وراحة بال في انسجام ذاتي بين الجسم والروح.
إن الغاية التي رسمها الدين لحياة الإنسان في الأرض إنما هي كما بيناه سابقا عبادة الله بإنجاز مهمة الإعمار التنموي في الأرض, ولو كان الإنسان متلبسا في إنسانيته بالمعاني الأربعة التي أوردناها لكم آنفا ولكنه اقتصر على النمط الظاهري الشكلي فقط، لضعفت روحه ولأصابها الكثير من التعب عند تلقي صدمات الحياة في أداء أعماله وإنجازاته ولم يحقق منها شيئا يذكر, ولكن تلك المعاني إذا ما تشبعت بالمعاني الأساسية واستقرت فيها وانخرطت تلك الإنسانية المفعمة في دائرة المجتمع, وكانت القرارات التنفيذية والآراء الفقهية والأحكام القضائية تسهم في تحقيق مجتمع سوي ومتماسك, قوي بقوة التجدد فيه, واستقرار إنسانية الأفراد إليه, وشدة التحامها به, وهذا المجتمع الإنساني هو الذي يكون المحضن الصالح لأن يقوم فيه الإنسان في بعده الفردي وفي بعده الاجتماعي متى كانت الإنسانية فيه مقصدا للمسؤولين والمفتين والقضاة والمعلمين وكل من له دور في المجتمع.
رزقنا الله وإياكم السعادة في الدنيا والآخرة.