حتى النساء!!

لكم داخت كراسات الإنشاء والتعبير في مدارس العرب وداخت معها الفعاليات الثقافية من ترداد قول حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبا طيب الأعراق

لم يستطع حافظ أن يقول: (الأب إذا أعددته), لأنه كان ابن ثقافة ذكورية, فجاءت الوصاية العقلية على المرأة رغما عنه, وتلك سمة غالبة في الثقافة العربية ناجمة عن النظرة الدونية للمرأة التي تخف حدتها من مجتمع عربي لآخر، ومن ظرف تاريخي لسواه..
وكل من تابع صيحات الاستنجاد في الفضائيات ضد عنف الاستبداد والطغاة في تونس, ومصر, وليبيا كانت تتناهى إلى سمعه من أفواه الرجال: (لم يرحموا حتى النساء والشيوخ والأطفال) في إدراج "للنساء" كفئة ضعيفة مع الشيوخ والأطفال، لا تملك حولاً ولا قوة.
إن الإصغاء لتلك "الولولة" على المرأة تكشف ما يدحضها فقد كانت في تونس أقل حدة, لكون المرأة فيها تتمتع بقدر من الاستقلالية، أما في مصر فلكونها تستند إلى إرث تاريخي حضاري منفتح عمره سبعة آلاف سنة، لكن "الولولة" في ليبيا كانت عالية إلى حدود الإلغاء لوجود المرأة بسبب شذوذ طويل في إدارة الدولة ولطبيعة المكون الثقافي الذكوري الصحراوي المغلق لذا كان صوت الاستصراخ في الذود عن النساء كمستضعفات مهيناً رغم بسالة حضورهن!
إن استضعاف المرأة في ثقافتنا العربية ظل علة الحط من شأنها, وهو ما يتناقض مع نبراس نبوي نردده: (أمك ثم أمك ثم أمك..) أو ما ورد عن أن (الجنة تحت أقدام الأمهات), حتى إن هذا الاستضعاف للمرأة كرس حالة من التجذر في اللاوعي عند المرأة نفسها في موقفها من ذاتها على أنها فعلا كائن ضعيف.. ها هي أم عبد الله الصغير، آخر ملوك الطوائف في الأندلس، تعيب على ابنها تُخاذله عن حماية ملكه فتقول:

"ابك مثل النساء ملكا مُضاعا
لم تحافظ عليه مثل الرجال!!"

داست "أم عبد الله" على كرامتها (ابك مثل النساء!) وغابت عنها رباطة جأشها وقوة شكيمتها وتماسكها وشجاعتها في هذا الموقف العصيب الذي أبكى (الرجل) في حين لم تبك هي (مثل النساء!!) لكنها انساقت في استسلام، لا شعوري منها لثقافة ذكورية لا لكي تصم النساء بالبكاء فقط وإنما بالتسليم بأن الرجل وحده يملك الصلابة والإرادة: (لم تحافظ عليه مثل الرجال!!). مع أن موقفها يثبت العكس تماما!!
وإن شئنا أن نمضي أبعد فدونكم الموقف المهيب لأسماء بنت الصديق حين حكم الحجاج على ابنها عبد الله بن الزبير بالقتل وخشي عبد الله أن يمثّلوا به فقالت له وهي أمه: (وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟!) ثم وهي تمر به معلقاً قتيلاً على الأعواد وتقول: (أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟!)، بل وأعمق من هذه وتلك موقف أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وقد جاءها الرسول – صلى الله عليه وسلم – مرتعداً حين نزل عليه الوحي أول مرة قائلاً: (زمليني .. زمليني) ولم يرتج عليها بل طمأنته ببشرى الهدى.. والأمثلة كثيرة.
إن وصاية الثقافة الذكورية العربية على عقل المرأة وتقزيم مكانة النساء بالضعف والدونية له قطعاً أسبابه التاريخية والموضوعية والاقتصادية غير أن المؤسف هو أن سياسات وبرامج ومناهج التربية والتعليم العربية لم تفلح في تجاوزها لا في حقول الممارسة ولا في حقول المعرفة، لأن جميع ما يخص المرأة من المهد إلى اللحد ظل يوضع ويصاغ ويعد من الرجل نيابة عنها، لم تشترك في تكوين رؤاه، ولا مفاهيمه أو أبعاده، أو أهدافه، أو سياساته، إلا بالقدر الذي يتيحه لها الرجل الذي يتصرف فيه بالحذف أو التعديل أو الإضافة بما يتسق مع: (إذا أعددتها..) وبما يؤكد به أنه: أصلا (طيب الأعراق!!)
ولأن الأمر كذلك، ظللنا نلقي بتبعة ضعفنا كمجتمعات، على النساء اللائي دفعتهن الثقافة الذكورية للتخلف متمترسين بالغيرة عليهن مستصرخين، (حتى النساء!!)، وكأنهن لم يضربن الأمثلة على الدهاء والسداد والنبالة والشجاعة منذ جدتنا بلقيس إلى تدفق ملايين العربيات من المدهشات علما وعملا وخلقا كريما مثل شقيقهن الرجل: عقل بعقل، إرادة بإرادة أما الإصرار في العزف على الاختلاف البيولوجي والفسيولوجي والتكوين النفسي والوجداني فتلك خصائص للتكامل ليست (ضد) وإنما (مع) كلا المخلوقين اللذين كرمهما الخالق سبحانه على العالمين!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي