الأمر الملكي يؤسس دستوريا وتشريعيا لمبدأ المساواة أمام تولي الوظائف العامة
صدر الأمر الملكي الكريم القاضي بتثبيت المعنيين على الوظائف المؤقتة تتويجا لتحسين مستوى العيش الكريم للمواطنين، وجاء في ثنايا الأمر الملكي:
(أ- على الجهات الحكومية الالتزام بما ورد في الأمر الكريم رقم (8422/ م ب وتاريخ 25/6/1426هـ) من حيث عدم التعيين على وظائف المستخدمين ووظائف بند الأجور وبند 105 إلا بما يتفق مع المسميات والمؤهلات والأعمال التي تتفق وأهداف تلك اللوائح. ب - لا يتم شغل وظائف البنود إلا من خلال نظام الوظائف المؤقتة الصادرة بالمرسوم الملكي رقم (م / 30) وتاريخ 12/9/1385هـ، وأن يلتزم بالضوابط الواردة بهذا النظام بما في ذلك عدم استمرار المتعاقد معه أكثر مما يسمح به النظام كوظيفة مؤقتة. ج - يوقف اعتماد البنود التي لم يعد لها حاجة، أما البنود التي لها حاجة فيجب ألا يتم التعاقد عليها إلا من خلال الإعلانات العامة وإتاحة الفرصة لجميع المواطنين المؤهلين؛ تأكيدا للأمر الكريم رقم (7347/ م ب) وتاريخ 23/9/1429هـ القاضي بأن على (المؤسسات والهيئات العامة والصناديق والجهات الحكومية التي لديها بنود للتوظيف بضرورة طرح وظائفها التي ترغب في شغلها في وسائل الإعلام الملائمة.. وذلك لفتح المجال لجميع المواطنين والمواطنات على حد سواء للتقدم إلى تلك الوظائف). وبالنظر إلى المبادئ القانونية المتضمنة في الأمر الملكي والتي تحكم التعيين في الوظائف العامة نجد أنها تخضع لمبدأين أساسيين:
أولهما: مبدأ مساواة الموظفين أمام تولي الوظائف العامة Le principe هو مبدأ دستوري، أي تنص عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وكذلك دساتير الدول على اختلاف أيديولوجياتها وتوجهاتها، مما يجب احترامه نصا وروحا.
ثانيهما: مبدأ التعيين حسب الكفاءة Le principe de me`rite`، وهو مبدأ متعارف عليه ضمن قوانين وأنظمة الخدمة المدنية. وتطبيق هذا المبدأ يعني:
- عدم الأخذ بالاعتبار الانتماءات المناطقية..
- عدم الاعتداد بالضغوط الاجتماعية، والقرابة والصداقة.
- الاعتماد على الاختبارات التنافسية في التعيين.
ويرى بعض الباحثين والشراح في أنظمة العاملين في الدولة أن اختيار الموظفين حسب الكفاءة يعني احترام العدالة الاجتماعية أو الفرص المتساوية للتعيين من جهة، وكذلك مراعاة الأساليب الفنية المتضمنة اختيار الموظفين، مما يدلل بدوره على عدم الأخذ بتعيين الأقارب أو التعيين حسب المصلحة.
إن هذين المبدأين ليسا متناقضين، بل متكاملان، أي يكمل إحداهما الآخر، فالتعيين حسب الكفاءة لا يعني خرقا لمبدأ المساواة أمام تولي الوظائف العامة، وإنما تهذيبا وتفعيلا له؛ لأنه يركز على اختيار الأفضل من الموظفين الممنوحين فرصا متساوية. من ناحية أخرى، فإن مبدأ المساواة يدعم مبدأ التعيين حسب الكفاءة؛ لأن المساواة لا تكون إلا بين المتساوين في الظروف نفسها.
وتقضي المساواة في مجال الوظيفة العامة الالتزام بالمساواة بين جميع المواطنين في شغل الوظائف العامة، وبذلك لا تكون الوظائف العامة امتيازا لطبقة معينة أو لفئة من الناس، بل يتمتع بشغلها كل مواطن تتوافر فيه الشروط المقررة لشغل هذه الوظائف، وهذا ما تغيّاه المنظم وهو مقصود الأمر الملكي الأخير المتعلق بتثبيت الوظائف واختيار الكفاءات.
أما في النظام الإسلامي، فإن تولي الوظائف العامة له تكييف آخر فهو ليس حقا للأفراد، وإنما هو تكليف تكلفهم به الدولة على أساس شروط القوة والأمانة تطبيقا لقوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ). ومن تطبيقات ذلك ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفر من اليهود في المدينة جاءوا يطلبون منه أن يولي رجلا يحكم لهم في أشياء اختلفوا فيها من أموالهم، إذ قال لهم "ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه".
وتطبيقا لهذا المبدأ يقول الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في أول خطبة له بعد توليه الخلافة (أما بعد، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي وخلفت فيكم بعد صاحبي فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ومهما غاب عنا ولينا أهل القوة والأمانة فمن يحسن نزده حسنا ومن يسيء نعاقبه). ويقول الخليفة علي - رضي الله عنه - في بيان أساس تولي الوظيفة في الدولة الإسلامية (فإن عليّ الاجتهاد لأمة محمد، حيث عملت القوة والأمانة استعنت بها في بني هاشم أو غيرهم).
وهناك تطبيقات كثيرة لهذا المبدأ من الكتاب والسنة وقول الصحابة والفقهاء المسلمين مما يطول سرده.
ويجد مبدأ المساواة أمام تولي الوظائف العامة سنده وأساسه القانوني في الأسس التالية:
- الأساس التشريعي في الأنظمة المرعية في هذا البلد.
- الأساس المستمد من مبدأ المساواة أمام القانون واللوائح، ويعتبر هذا من قبيل القانونين العامة التي يجب مراعاتها في كل زمان ومكان.
إن احترام مبدأ المساواة أمام تولي الوظائف العامة يحمي النشاط الإداري من بعض التصرفات الإدارية التي نسمعها كثيرا في بعض الجهات والتي تعد انحرافات إدارية عن السلوك الإداري المطلوب والتي تتناقض مع نصوص الشريعة الإسلامية والأنظمة وروحها والتي تعتبر أساسا ذاتيا للوظائف العامة.