مدينة الملك عبد العزيز والجدوى الاقتصادية لبراءات الاختراع

تكتظ قاعدة معلومات مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ببراءات اختراع بلغت نحو 1782 منحة فيما الطلبات 3788 طلبا، هي في مجملها مؤشر على الفاعلية الخلاقة للعقل الوطني سواء في فئات الشباب أو من عداهم. وهي فوق ذلك أو معه تشير أيضاً إلى كنز معطل من محفزات علمية تقنية لإنتاج اقتصاد قائم على المعرفة يمكن أن يدخل مكوناً حيوياً في مكونات اقتصادنا الوطني النفطي وغير النفطي.
غير أن ذلك كله، يتطلب غربلة لهذه البراءات وتمحيصا من حيث جدواها الاقتصادية فيما لو تم الأخذ بها إلى حيز التطبيق، إذ قد يكون بعضها مجرد علامة على النبوغ والعبقرية تخفي وراءها ما هو أكثر جدارة ونفعاً، بينما هي في حقيقتها الراهنة لو نفذت لما كان لها مردودها الاقتصادي، بل ربما تكون تكلفة إنتاجها باهظة جداً.
أقول هذا على افتراض أن هناك توجهاً جادا من قبل المدينة لإخراج الاختراعات من أضابير الأوراق وعدم تحنيطها في أرقام خاصة بأصحابها.. وأقوله أيضاً تطلعا لأن تبادر المدينة إلى إيجاد الآليات والقنوات للتواصل مع الجهات الحكومية والخاصة بشأن استثمار مخزون هذه الثروة المعطلة، وإذا كانت المدينة قد تتعذر بأن المهام والصلاحيات والموارد المالية لا تتيح لها ذلك فالمهام والصلاحيات يمكن السعي رسمياً لتطويرها وبالتالي يتحرك تبعا لها سقف الميزانية بما يمكن المدينة من إنجاز التحولات النوعية المطلوبة في هذه الاختراعات وسواها.
إن أحداً، في الوضع التخزيني الحالي لهذه البراءات، ليس بإمكانه أن يعرف على وجه التحديد قيمة ما هو موجود حتى ولو كانت متاحة في موقع المدينة على الإنترنت، أو منشورة في كتب إنجازاتها، أو تم التنويه عن بعضها في مجلة "العلوم والتقنية"، إذ إن عملية التسويق والتعريف والشرح لمثل هذه البراءات ليست ضرورية فحسب، وإنما لا يمكن إدراك حقيقة أقيامها العلمية وجدواها الاقتصادية والاجتماعية إلا من خلال التسويق والتعريف بها نظراً لطبيعتها الفنية والعلمية التي تتطلب إلماماً ووعياً بأهميتها وماهيتها .. أعتقد أن مختصي المدينة خير من يقوم بهذه المهمة.
ولو افترضنا جدلا أن دورا هكذا تم القيام به إعلامياً، فسيظل البعد المتعلق بالجدوى الاقتصادية يحتاج إلى فريق استشاري أو مكتب دراسة جدوى ذي علاقة وطيدة بالعلم والاقتصاد والتسويق يستطيع الحكم على الاختراع من حيث تكلفة الإنتاج ومدى الاحتياج إليه، وهي عملية ضرورية لفرز هذا الكم الموجود في قاعدة معلومات المدينة من مختلف الاختراعات لو أقدمت عليها المدينة لربما فتحت شهية أصحاب رؤوس الأموال، وقد تستطيع المدينة التسويق من خلال سعيها إلى التنسيق مع هيئة الاستثمار لجذب مستثمر فيها سواء كان أجنبياً أو بشراكة مع مستثمر وطني أو مع المدينة نفسها.
إن مدناً للتقنية في العالم لديها مثل هذا المخزون، تعتبره ثروة تعمل على تنميتها، إما بالقيام باستثمارها لحسابها الخاص بتمويل من ميزانياتها، أو تبحث لها عمن يقوم بتنفيذها متى لمست جدواها الاقتصادية وحاجة السوق إليها، أو متى أدركت أنها تشكل لها خطوة علمية مميزة للأمام تضيف إلى منجزها العلمي جدارات أخرى .. وبالتالي فقد يكون الوقت اليوم، في ظل وجود وفرة التمويل وسياسة جذب الاستثمار الأجنبي وإنشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية والمدن الصناعية ومدينة الملك عبد الله للذرة والطاقة المتجددة والانتهاء من إعداد الاستراتيجية الصناعية والإعلان عن خطط تنفيذها، فضلاً عن الاستراتيجية الوطنية للعلوم والتقنية التي تستهدف أن تكون المملكة بعد 13 عاماً من الدول المتقدمة في العلوم والتقنية والابتكار! قد يكون هذا هو الوقت الذي يتيح للمدينة كي تتحرك في هذا الاتجاه والنظر في مخزونها من براءات الاختراع، وتحديد ما هو صالح للتسويق لإنتاج سلع نوعية تمتلك خاصية الانجذاب إليها وبالتالي جدواها الاقتصادية وما هو درجة في سلم الرقي التقني والعلمي، وما هو مجرد بارقة نبوغ ينبغي رعاية أصحابها الذين قد يأتون بما هو مذهل.
إنها طريق لم يتم السير عليها بعد مع أنها طريق آفاق العطاء فيها لا تحد، وتحقيق إنجاز فيها سيشعر المواطنين الرائحين الغادين من أمام أسوار هذه المدينة العتيدة منذ ثلاثين عاما بأنهم في قلب التنمية الاجتماعية والاقتصادية مثلما هي مكبة على أبحاثها العلمية كما يقال.. أوليس ذلكم هو لب المسؤولية الاجتماعية بل الوطنية أولا وأخيرا؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي